مراتى الاوله حكايات امانى السيد 4

مرّت الأيام، وأنا عايش في جحيم حقيقي. مرام وصوتها ودلعها بقوا بالنسبة لي حمل تقيل مش قادر أطيقه، وكل تفصيلة في الشقة بقت بتفكرني بمهره، بوقفتها في المطبخ، بانكسارها، وباللحظة اللي سحبت فيها إيدها وهي بتنزف دم.
لحد ما جه اليوم اللي لقيت فيه تليفوني بيرن، وبرقم مهره. قلبي دق بسرعة وكنت فاكر إنها حنت، أو إن الغربة برة بيتي كسرتها وهترجع. فتحت الخط بلهفة، بس صوتها جاني ناشف زي الصخر: “أنا عايزة ورقتي يا رمزي.. طلقني بالذوق ومن غير شوشرة”.
الكلام صدم لسانى، وقلت بحيرة وخوف: “طلاق إيه يا مهره؟ إنتي اتجننتي؟ أنا مش هطلقك، إنتي مكانك هنا في بيتك”. فضلت تصر ببرود رهيب، وكل ما تزيد إصرار، كل ما أنا أزيد عناد ورفض.
لما لقيت قفلي لكل الأبواب، قاطعتني وقالت بصوت هادي وفيه ثقة زلزلتني: “أنا مش بترجاك يا رمزي، أنا بطلب منك الحق اللي يخلينا نخرج بالمعروف. لو رفضت، أنا مش هقعد مستنية عطفك.. أنا هخلعك”.
الكلمة هانت كبريائي، خلع؟ مهره اللي مكنتش بتطول لقمة برة بيتي تهددني بالخلع؟ ومن كتر رعبي من إنها تضيع بجد، رميت آخر كارت معايا وقلت لها بنبرة رجاء مشاري بكسرة: “أنا مستعد أطلق مرام يا مهره! هطردها برة البيت حالا وترجعيلي إنتي ست الكل، بس بلاش موضوع الطلاق والخلع ده، أنا شاريها ومستعد أعمل أي حاجة عشان نرجع”.
ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة وجعتني أكتر من صراخها، وقالت: “تطلق مرام؟ وتطردها زي ما كنت مستقوي بوجودها عليا؟ إنت مابتتغيرش يا رمزي.. أنا مش عايزة خراب بيوت لحد، ومش عايزة منك أي حاجة، لا مؤخر ولا نفقة ولا حتى قشّاية من بيتك، أنا عايزة حريتي وبس.. والباب اللي قفلته في وشي، المحكمة هتفتحهولي”. قفلت السكة في وشي قبل ما أنطق.
افتكرتها بتهدد، وافتكرت إن قضايا المحاكم بتاخد سنين وأنها هتزهق وترجع لملاذها الوحيد. بس مهره كانت مرتبة كل خطوة؛ اتفاجئت بإعلان القض..ية، وفي كل جلسة كانت بتثبت للقاضي إنها بايعة كل حاجة ومتنازلة عن كل حقوقها المادية في مقابل حريتها.
وفعلاً، مفيش شهور قليلة، وصدر الحكم.. كسبت قض..ية الخلع.
يوم ما استلمت الصيغة التنفيذية للحكم، بصيت لصباعي الفاضي.. حسيت إن صباعي نفسه هو اللي اتقطع مش الخاتم اللي طلع. مهره مخلعتش الخاتم بس، دي خلعتني أنا شخصياً من حياتها بالكامل، وسابتني مع مرام في بيت مابقاش فيه غير الندم وصوت صدى حيطانه الفاضية.
بعد ما حكم الخلع صدر، البيت اتقلب لزنزانة حقيقية. مكنتش طايق مرام، ولا طايق صوتها، ولا حتى طايق وجودها في المكان. كل ما كانت تقرب مني أو تحاول تدلع بنقس الطريقة القديمة، كنت بلمح في عينيها اللؤم اللي كسر مهره، وأفتكر المسرحية اللي عملتها يوم ما شلتها ودخلت بيها.
بقيت شايف إن مرام ودلعها الزايد والمستفز، وضغطها عليا في كل موقف، هما السبب الأساسي في إن مهره تضيع مني وتسيبني. الغل كان بيكبر جوايا ناحيتها يوم بعد يوم، وكنت بحملها ذنب بيتي اللي اتخرب وحياتي اللي اتهدت. وهي مكنتش بتسكت، بدأت تحس بنفوري وبقت عصبية وتزن وتصرخ لمجرد إنها تفرض وجودها بالعافية.
وفي ليلة، قامت بينا خناقة من أتعس خناقات حياتنا. كانت واقفة بتزعق وتطالب بحقوق وتعاتبني على برودي معاها، وصوتها كان بيعلى ويعمل صدى في الحيطان الفاضية. الصوت ده فجأة قلب في دماغي شريط الذكريات كله.. افتكرت مهره وهي واقفة في المطبخ بتنزف في سكات، وافتكرت نظرتها الأخيرة ليا قبل ما تمشي.
فقدت السيطرة على نفسي تماماً. الغضب العميق والندم القاتل اللي كنت كاتمهم جوة صدري اتحولوا لكتلة من الغل، وطلعتهم كلهم على مرام. نزلت فيها ضرب جنوني، مكنتش شايف قدامي ولا سامع صراخها واستنجادها. كنت بضربها وكأني بضرب حظي، وبضرب الغرور اللي عماني.
الخناقة انتهت ومرام مرمية على الأرض بتصرخ من الوجع ومش قادرة تاخد نفسها. لما نقلتها المستشفى، الدكاترة قالوا إن الضرب كان شديد لدرجة إنه كسر لها ضلوعها.
وأنا واقف في طرقة المستشفى بالليل، وبصيت لإيديا الاتنين، حسيت بقرف رهيب من نفسي. الراجل اللي كان فاكر إن السيطرة بتخليه ملك، بقى مجرد وحش مكسور.. خسر الإنسانة اللي صانته في سكات، ودمر بإيده الست اللي اختارها عشان يكيد بيها الأولى، ومبقاش فاضل له غير الندم والخراب.
