ساره حكايات اسما 3

“إحنا عايزين ناكل كلنا سوا.”
الجملة الصغيرة دي…
خلت كل اللي في الممر ينزلوا راسهم.
لأن الطفلة اللي اتقال لها قبل ساعة إنها تعيش على البواقي…
كانت هي الوحيدة اللي لسه قلبها يعرف معنى العيلة.
قبل ما حد يتكلم…
فضلت ملك واقفة جنب سرير جدها، وإيديها الصغيرة ماسكة في طرف الغطا.
أبويا كان بيبصلها ودموعه بتنزل في صمت.
قال لها بصوت مبحوح:
“تسامحيني يا حبيبتي؟”
ملك بصتلي الأول.
كأنها بتستأذنني.
وبعدين بصت له وقالت:
“أنا زعلت… بس ماما قالت اللي بيفهم غلط ممكن يتعلم.”
الكلمة هزته.
رفع إيده وربت على شعرها.
أما آدم…
فقرب هو كمان.
وقال بهدوء أكبر من سنه:
“أنا مش زعلان علشان الأكل.”
كلنا بصينا له.
كمل:
“أنا زعلان إنكم كنتوا فاكرين إن إحنا أقل.”
الممر كله سكت.
حتى الدكاترة اللي كانوا معديين وقفوا لحظة.
أبويا دفن وشه في إيده.
وأول مرة في حياتي أشوفه بيبكي بالشكل ده.
بعد ساعة…
الدكتور خرج وقال إن حالته استقرت، لكن لازم يقعد كام يوم تحت الملاحظة.
رجعنا البيت.
بيتي الصغير.
شقتي اللي كنت دايمًا أسمع إنها “ما تليقش” ببنتهم.
أول ما دخلنا…
آدم حط شنطته على الكنبة.
وقال:
“ماما… أنا جعان.”
ابتسمت.
ودخلت المطبخ.
طلعت الفراخ اللي كنت جايباها لأهلي.
والرز.
والمحشي.
وسخنتهم.
قعدنا حوالين السفرة التلاتة.
قبل ما ناكل…
ملك قالت:
“هو ينفع ندعي لجدو؟”
قلت:
“أكيد.”
رفعنا إيدينا.
ودعينا له بالشفا.
وفي اللحظة دي…
حسيت إن السفرة الصغيرة دي فيها راحة أكتر من أي عزومة كبيرة دخلتها في حياتي.
تاني يوم الصبح…
صحيت على خبط شديد على الباب.
فتحت.
لقيت جارنا.
واقف وهو بيقول:
“في عربية نقل كبيرة واقفة تحت.”
استغربت.
نزلت.
لقيت العربية محملة بأثاث.
وتلاجة.
وغسالة.
وسفرة خشب.
وسواق واقف ماسك ورقة.
أول ما شافني سأل:
“حضرتك الأستاذة سارة؟”
قلت:
“أيوه.”
اداني الظرف.
فتحته.
كان فيه جواب بخط أبويا.
“يا سارة…
أنا عارف إن الحاجات دي عمرها ما هتعوضك عن سنين الوجع.
لكن دي حاجات كنت شاريها لداليا من شهور، ولسه ما استلمتهاش.
دلوقتي… أنا شايف إن أول بيت محتاجها هو بيتك.
يمكن أكون اتأخرت.
بس نفسي ألحق أصلح حاجة قبل ما أمشي.”
وقفت مكاني.
والدموع نزلت من غير ما أحس.
في نفس اللحظة…
وقفت عربية داليا قدام العمارة.
نزلت منها بسرعة.
وأول ما شافت العمال بينزلوا الأثاث…
صرخت:
“الحاجات دي بتاعتي!”
العمال بصوا لبعض.
ثم بصوا للورقة اللي معاهم.
وقال كبيرهم بهدوء:
“إحنا بننفذ تعليمات صاحب الفاتورة.”
داليا جريت ناحيتي.
وقالت بانفعال:
“رجعيهم.”
طيّت الجواب بهدوء.
وبصيت في عينيها لأول مرة من غير خوف.
وقلت:
“زمان… كنت هرجعهم.”
سكت لحظة.
ثم كملت:
“لكن المرة دي… أنا هاخد حقي.”
ولأول مرة…
لفت داليا حواليها.
ولقت كل جيران العمارة واقفين في البلكونات.
وكلهم شافوا المشهد…
وشافوا مين اللي كان بياخد كل حاجة…
ومين اللي عاش عمره كله مستني البواقي.
يتبع

