حكايات امانى السيد 2

مرت ثلاثة أيام على تلك الليلة العاصفة. ثلاثة أيام لم يذق فيها شريف طعم النوم، تحولت حياته إلى جحيم من الأفكار المتضاربة. شقته التي كانت تضج بالحياة والحركة، أصبحت الآن باردة، مظلمة، وموحشة كقبر. كل زاوية فيها تذكره بسلوى؛ تفاصيل ترتيبها للمكان، رائحة طعامها التي كانت تستقبله بعد يوم عمل شاق، وحتى ألعاب ابنته الصغيرة المتناثرة على السجادة أصبحت كالمسامير التي تغرز في قلبه.
في صباح اليوم الرابع، توجه شريف إلى عمله وهو بحالة يرثى لها؛ عيناه غائرتان، وملابسه مجعدة على غير عادته. كان دافعه الوحيد للذهاب هو رؤية ساندي، فهو بحاجة إلى تلك “الروح” التي قال لأمه إنها تصلبه في الحياة.
دخل المكتب، وتوجه مباشرة إلى مكتبها. كانت تجلس بكامل أناقتها، تراجع بعض الملفات على حاسوبها. عندما رأته، لم تقم من مكانها ولم تبتسم، بل نظرت حولها بحذر للتأكد من أن أحداً من الزملاء لا يراقبهم، ثم قالت بنبرة منخفضة وجافة:
“صباح الخير يا شريف. خير، شكلك تعبان ومتبهدل كده ليه؟”
تقدم خطوة نحو مكتبها وقال بنبرة مكسورة:
“تعبان طبعاً يا ساندي.. أنا عايش في كابوس. سلوى راحت بيت أهلها وطلبت الطلاق، وأمي مقاطعاني، وأنا مش عارف أفكر.. أنا جيت عشان أشوفك، محتاج أتكلم معاكي.”
تنهدت ساندي بضيق، وأغلقت الملف الذي أمامها بقوة أحدثت صوتاً جعل شريف يجفل. وقفت وقالت ببرود تملأه الأنانية:
“شريف، إحنا اتكلمنا في التليفون وأعتقد كلامي كان واضح. أنا مش هينفع أكون الطرف (الشرير) في قصة طلاقك. الشوشرة دي مش في مصلحتي. المدير بقاله يومين بيلمحلي عن كفاءة الشغل، وأنا مش مستعدة أخسر ترقيتي عشان مشاكل شخصية تخصك.”
صعق شريف من برودها، وقال بغير تصديق:
“مشاكل تخصني؟ ساندي أنا خربت بيتي عشانك! أنا وقفت قدام أمي وقولت إني مستعد أبيع الدنيا عشانك! تقوليلي مشاكلك؟”
نظرت إليه ساندي بنظرة خالية من أي مشاعر، وقالت:
“أنت خربت بيتك لإنك مكنتش مبسوط فيه، ده قرارك أنت ومش ذنبي. أنا قولت لك بحبك ووعبتك بالجواز لما تكون ظروفك جاهزة، مش لما تيجي تقلب لي حياتي وتعملي فضيحة في الشغل. لو سمحت يا شريف، ارجع مكتبك وشوف شغلك، ولما تخلص إجراءات طلاقك وتستقر أمورك.. نبقى نتكلم.”
استدارت وعادت لجهازها وكأنه لم يكن واقفاً. خرج شريف من مكتبها وهو يشعر بالدوار، وكأن صفعة قوية هبطت على وجهه لتوقظه من وهم كبير. ساندي التي ظن أنها “تستحق الدنيا” كانت تراه مجرد مشروع مؤجل، لا تريد أن تدفع فيه ثمنًا من راحتها أو برستيجها.
