وقعت كلمات سلمى في الصالون زي المية الساقعة. مي حست بكرامتها بتتجرح تاني، والمرة دي قدام الشخص اللي بدأ يمد لها إيد المساعدة. بصت لعمر ولقت في عينيه لحظة تردد، لحظة الشك اللي سلمى نجحت تزرعها بخبث. قامت مي وقفت، والدموع محبوسة في عينيها بعزة نفس قوية، وقالت وصوتها بيرتعش بس ثابت: ـ أنا ما لعبتش ألعاب يا آنسة سلمى. والملف ده فيه شهاداتي وعمري كله، ما بيمشيش من غيره عشان ده الحاجة الوحيدة اللي بتفكرني أنا مين لما الدنيا بتيجي عليا. وعمر بيه... أنا مش محتاجة مساعدة حد، أنا هلم حاجتي وأمشي حالا. ـ تمشي تروحي فين يا بنتي؟ اقعدي بس! قالتها فاطمة بحدة وهي بتبص لسلمى بغضب: ـ إنتِ إيه الغل اللي في قلبك ده يا سلمى؟ البنت ورقها وأصلها واضحين، وإنتِ مش من حقك تتكلمي في بيتي بالشكل ده! عمر فضل ساكت لثواني، كان بيحلل الموقف. طبيعته كرجل أعمال بتخليه يفكر في كل الاحتمالات، بس نظرة الانكسار وعزة النفس اللي في عيون مي كانت حقيقية لدرجة ما تنفعش تكون تمثيل. أخد نفس طويل وقال بحسم أهدا من الأول: ـ مفيش حد هيمشي من هنا. مي... أنا أسف لو كلام سلمى ضايقك، بس أنا مش شاكك فيكي. أنا رايح الشغل دلوقتي، وعلى المعاد هعدي عليكي عشان الكلية. يا ريت تجهزي. بص لسلمى بنظرة تحذير أخيرة ومشي. سلمى اتغاظت جدًا ولفت وشها وطلعت أوضتها وهي بتطك سنانها، ودماغها شغال في مصيبة جديدة. عدت الساعات ومي قاعدة في أوضتها الجديدة، مش مصدقة إنها ممكن ترجع لكليتها تاني. جهاد وتعب سنين كان هيروح في لحظة بسبب قسوة مرات أبوها. على الساعة تلاتة الضهر، تليفون البيت رن، وعفاف العاملة طلعت لمي وقالت لها: ـ يا بنتي، عمر بيه على الخط تحت وبيقولك تجهزي عشان واقف بالعربية قدام الباب. نزلت مي بسرعة، كانت لابس عباية بسيطة وطرحة مهندمة، وشايلة ملفها. ركبت جنب عمر في العربية، والسكوت كان سيد الموقف في أول الطريق، لحد ما عمر قطعه وهو سايق: ـ مي... أنا عارف إن اللي مريتي بيه مش سهل. وعايزك تعرفي إن وجودك في البيت مش شفقة، ده حق عم أحمد علينا، والدي الله يرحمه كان دايماً شايل هم إنه مش عارف يوصلكم. مي بصت من الشباك وقالت بصوت واطي: ـ شكراً يا عمر... بس أنا لسه خايفة من مرات أبويا، لو عرفت إني رجعت الكلية أو إني في بيتكم مش ه تسيبني في حالي. دي ست ما بترحمش. عمر ابتسم بثقة وقال: ـ طول ما إنتِ في حمايتي وفي بيت الشناوي، محدش يقدر يمس شعرة منك. ركزي بس في مذكرتك. وصلوا الكلية، وبدأت الإجراءات. عمر استخدم علاقاته ونفوذه عشان يسهل الأمور، وفعلاً قدروا يسوّوا وضعها ويرجعوا قيدها في السنة الأخيرة، واشتروا الكتب والمراجع اللي فاتتها. مي كانت طايرة من الفرحة، حاسة إن الروح ردت فيها من تاني لما شافت مدرجات الكلية. في الوقت ده، في قصر الشناوي، كانت سلمى قاعدة في الجنينة وبتتكلم في التليفون وصوتها واطي ومغلول: ـ بقولك إيه يا طنط سعاد... البنت الحرباية اللي اسمها مي عندك دي، طلعت بنت شريك منير الشناوي القديم، وعمر قعدها في أوضة الضيوف وهيوديها الكلية بنفسه من بكرة... إنتِ لازم تتصرفي وتيجي تاخديها من هنا، وإلا البنت دي هتلف على عمر وتاخد كل حاجة! على الناحية التانية من الخط، كانت سعاد، مرات أبو مي، بتسمع والكلام بيقع عليها زي الصدمة. عينيها لمعت بشر وقالت: ـ بنت أحمد طلعت ناصحة ولعبتها صح؟ ماشي يا سلمى يا بنتي، إنتِ مصلحتك مع مصلحتي. أنا هعرف إزاي أرجعها المطبخ تاني وأخلي عمر بنفسه يطردها برة القصر! رجعت مي مع عمر القصر وهي شايلة كتبها، وشها كان منور بابتسامة غايبة من زمان. فاطمة استقبلتها بالزغاريد وحضنتها، وعفاف عملت شربات بمناسبة رجوعها لدراستها. الكل كان فرحان ما عدا سلمى اللي كانت بتبص لهم من بعيد بابتسامة خبيثة وباردة. بعد كام يوم، بدأت مي تنزل الكلية بانتظام. عمر كان بيوصلها بنفسه الصبح وهو رايح الشغل. العلاقة بينهم بدأت تتغير، بقى فيه كلام ونقاش، وعمر بدأ ينبهر بذكائها وعقلها وثقافتها، وبدأ يحس بمشاعر غريبة أول مرة يحسها تجاه بنت. وفي يوم، ومي راجعة من الكلية العصر، دخلت من باب القصر ولقت الشنطة الصغيرة بتاعتها اللي جت بيها أول يوم، مرمية في الصالة، والهدوم متطورة برة. وقفت مكانها ومصدومة، ولما رفعت عينها، شافت مرات أبوها "سعاد" واقفة في نص الصالون، وجنبها سلمى، وفاطمة قاعدة وشها أصفر وبتترعش. سعاد بصت لمي بضحكة انتصار وقالت بصوت عالي سَمّع القصر كله: ـ أهلاً يا ست الدكتورة... يا هربانة من البيت! جاية تتبلي على الناس الطيبين وتقوليلهم إني أكلت حقك؟ وجاية تدوري على عريس غني يانتشلك من الفقر؟ مي اتجمدت مكانها، والكتب وقعت من إيدها على الأرض، في نفس اللحظة اللي انفتح فيها باب القصر ودخل عمر... دخل عمر القصر والملامح المرحة اللي كانت على وشه من ثواني اختفت تمامًا. بص للكتب المرمية على الأرض، ولشنطة مي المقلوبة، وبعدين رفع عينيه وبص لسعاد الست الغريبة اللي واقفة في نص صالون بيته وبتزعق، وجنبها سلمى اللي كانت بتحاول تداري ابتسامة الانتصار ورا وش بريء مزيف. مي كانت واقفة بتترعش، دموعها نزلت من غير صوت، ونظرات الخوف اللي كانت في عينيها أول يوم رجعت لها تاني أضعاف. حست إن الأرض بتلف بيها وإن كابوس مرات أبوها هيدمر كل حاجة للمرة التانية. سعاد أول ما شافت عمر دخل، غيرت نبرة صوتها وبقت تتكلم بلؤم وتمثيل: ـ أهلاً يا عمر بيه... أنا سعاد مرات أبو مي. أنا جيت أخد البنت دي قبل ما تعملكم مصيبة في البيت. البنت دي هربت من البيت من ورايا، وجت هنا عشان تتبلى عليا وتقول إني أكلت حقها، وكل ده عشان تلف عليك وعلي عيلتك وتاخد فلوسكم! دي سرقت دهبي قبل ما تمشي، والملف اللي فرحانة بيه ده كانت شايلاه عشان تلوي دراعكم بماضي أبوها! فاطمة قامت من مكانها وصوتها بيرتعش من الغضب: ـ إنتِ ست كدابة وقليلة الأدب! مي بنت أصول ومستحيل تعمل كده، اطلعي برة بيتي حالا! سعاد ضحكت ببرود وقالت: ـ أطلع برة إزاي يا هانم؟ دي بنتي وأنا مسؤولة عنها، ولو ما مشيتش معايا دلوقتي بالذوق، أنا هطلب لها البوليس بتهمة السرقة، والشهادة بتاعتها والكلية اللي فرحانة بيها دي أنا هعرف إزاي أرفدها منها بفضيحة بجلاجل! مي لفت وشها لعمر، وعينيها كانت مليانة رجاء وانكسار، وقالت بصوت مخنوق: ـ والله العظيم كدابة... أنا عمرى ما مديت إيدي على حاجة مش بتاعتي... أنا هأمشي يا عمر، هأمشي عشان ما أجبش لكم مشاكل. مشيت مي خطوتين وهي بتعيط وعايزة تلم الهدوم المرمية على الأرض، لكن صوت عمر هز حيطان الصالون لما زعق بحسم وقوة: ـ سيبـي الهدوم دي من إيدك يا مي... وماتتحركيش من مكانك! عمر قرب بخطوات ثابتة وواثقة، وقف بين مي وبين سعاد، وبص لسعاد بنظرة حادة لدرجة إن الست تراجعت خطوة لورا وخافت. وقال بصوت هادي وفيه كمية وعيد تخوف: ـ إنتِ بقى سعاد؟ الست اللي كتبت شقة عم أحمد باسمها بالتزوير ورمت بنته في الشارع؟ سعاد وشه اتقلب وأتلعثمت: ـ تزوير إيه يا بيه؟ ده جوزي وهو اللي كاتبلي كل حاجة برضاه! عمر طلع تليفونه من جيبه وبص لها بابتسامة باردة ومخيفة: ـ جوزك الله يرحمه قبل ما يموت، كان باعت لوالدي ورق الشراكة الأصلي، ومكتوب فيه إن الشقة والورشة باسم مي وأمها الله يرحمها، يعني ملكش فيهم سنت واحد. وأنا من يوم ما عرفت إن مي بنت عم أحمد، خليت المستشار القانوني للشركة يفتح ملف القضية دي... والمفاجأة بقى، إننا اكتشفنا التزوير اللي عملتيه، وأمر الضبط والإحضار ليكي هيطلع بكره الصبح. سعاد وشها بقى أبيض زي الورقة، وبصت لسلمى بصدمة كأنها بتستنجد بيها، لكن سلمى لفت وشها الناحية التانية بخوف وعرفت إن اللعبة اتقلبت عليهم. عمر كمل كلامه وهو بيبص لسعاد باحتقار: ـ وجاية لحد هنا وبتهددي بالبوليس؟ طب كويس إنك جيتي برجليكي... أنا حالاً هطلب لك البوليس من هنا بتهمة التزوير، وبتهمة التهجم على بيتي والبلطجة. سعاد ركبها سابت من الخوف، ونبرة صوتها العالية اتقلبت لرجاء ومذلة: ـ لا... بوليس لا يا عمر بيه... أنا.. أنا كنت فاهمة غلط، البنت بنتي وأنا كنت خايفة عليها بس... أنا ماشية، مش عايزة حاجة. ـ مش بمزاجك تمشي! قالها عمر وهو بيشاور للأمن بتوع القصر اللي دخلوا فورًا: ـ خلو الست دي هنا في مكتب الأمن بره، ومحدش يخليها تلمح الشارع لحد ما البوليس يوصل ياخدها. سعاد وهي بتتجرجر لبرة كانت بتصرخ وتعيط، والمنظر كان كفيل يرجع لمي جزء من كرامتها اللي اتكسرت. التفت عمر لسلمى اللي كانت واقفة بتترعش وخايفة ليكون عرف إنها هي اللي كلمت سعاد، وبصلها بعينين مليانة خيبة أمل وقسوة: ـ أما إنتِ بقى يا سلمى... فمكالمتك لسعاد وتسجيل الخطوط بتاع القصر كله عندي على المكتب من الصبح. إنتِ من اللحظة دي مالكيش مكان في البيت ده، ومن بكرة هترجعي بيت والدك في البلد، ومش عايز أشوف وشك في أي مكان أنا موجود فيه. سلمى عيطت وجريت على أوضتها وهي بتصرخ، وفاطمة هزت رأسها بأسف على بنت أختها اللي غماها الغل. المكان هدي، وعمر قرب من مي اللي كانت لسه واقفة مذهومة ومش مصدقة إن الكابوس اللي عاشت فيه سنين انتهى في دقائق بفضل الراجل ده. عمر وطى على الأرض وبدأ يلم كتب الكلية بتاعتها بإيده، ورفعهم وقدمهم ليها وهو بيبتسم ابتسامته الحنينة: ـ اتفضلي يا دكتورة مي... كتبك، ومستقبلك، وحقك... مفيش حاجة تانية في الدنيا دي هتقدر تكسرك طول ما أنا موجود. مي مسكت الكتب، ولأول مرة تبص في عينيه من غير خوف، بل بنظرة مليانة مشاعر تانية خالص بدايتها أمل وأخرها دقات قلب سريعة ما عرفتش تخبيها... و_ وعمر كمان ما حاولش يخبي النظرة اللي في عينيه؛ نظرة إعجاب وفخر بالبنت اللي سحلتها الأيام لكنها فضلت محتفظة بنقاء قلبها وأصلها الطيب. مرت الشهور بسرعة، وتحول قصر الشناوي من مكان دخلته مي بدموع وانكسار، لمكان ماليان ضحك وأمل. مي كانت بتسابق الزمن، بتقضي ليلها ونهارها بين كتب الكلية والمستشفى، وعمر كان دايماً السند؛ يوصلها في عز البرد، ويستناها بالساعات برة لجان الامتحانات، ويشجعها في كل لحظة يمر عليها يأس. أما ماما فاطمة، فكانت بتدعي لها في كل صلاة كأنها بنتها اللي ما خلفتهاش. وفي يوم النتيجة... كان الصالون ماليان بقلق يكفي بلد، لحد ما تليفون مي رن، وسمعت صوت عميد الكلية بنفسه بيبارك لها لإرتقائها للمركز الأول على الدفعة مع مرتبة الشرف. وقعت السماعة من إيد مي، ودموع الفرحة غسلت كل وجع عاشته. فاطمة زغرطت من قلبها، وعمر وقف يبص لها وعينيه بتلمع بدموع الفرحة، ولأول مرة يمد إيده ويمسك إيدها بحنان قدام والدته، وقال بصوت مليان فخر: ـ مبروك يا دكتورة مي... مبروك يا بنت الغالي، رفعتي راسنا وراس أبوكي الله يرحمه. مي بصت له والامتنان مالي قلبها: ـ الله يبارك فيك يا عمر... لولاك أنت وماما فاطمة، كان زماني لسه في المطبخ بلمح الحلم من بعيد. أنت اللي رجعت لي حياتي. عمر ابتسم وضغط على إيدها براحة، وبص لوالدته اللي كانت بتبتسم لهم بموافقة وفرحة، وقال: ـ أنا ما رجعتش حياتك يا مي، أنا رجعت حياتي أنا... البيت ده من غيرك كان مجرد حيطان، لكن بوجودك بقى فيه روح. وعشان كده، وفي اليوم اللي حلمك فيه اتمحق وبقى حقيقة... أنا طالب إيدك من ماما فاطمة، ومن روح عم أحمد. تقبلي تكملي مشوارك معايا، وتكوني شريكة عمري بجد؟ مي وشها احمر وخفضت عينيها بخجل، لكن ابتسامتها اللي نورت وشها كانت هي الإجابة. ماما فاطمة قربت منهم وحضنتهم هما الاتنين وهي بتقول: ـ ألف مبروك يا حبايب قلبي، دي أحسن حاجة كان منير وأحمد يتمنوها وهما في مكانهم دلوقتي. وبعد سنة... كان القصر ماليان بأكبر حفلة أقيمت فيه من سنين. مي كانت واقفة لابسة فستان الزفاف الأبيض اللي يشبه قلبها، وجنبها عمر البدلة السوداء مخلية وسامته ملفتة، وعينيه مش نازلة من عليها. وفجأة، وسط المعازيم، انتبهت مي لجريدة كانت محطوطة على التربيزة، ومكتوب فيها خبر صغير في صفحة الحوادث: "تأييد حكم السجن لمتهمة بتزوير عقود ملكية شقة بالجمالية"... سعاد أخدت جزاءها، وسلمى فضلت في البلد معزولة بغلها، والدنيا دارت ورجعت كل حق لأصحابه. عمر قرب من مي، ومسك إيدها وطلعوا البلكونة الكبيرة يبصوا على النجوم والنسمة الهادية بتلاعب طرحتها البيضاء. بص لها وقال بحب: ـ روحتي فين يا دكتورتي؟ مي لفت وشها ليه، وابتسمت ابتسامة صافية ما بقاش فيها أي هزيمة، وقالت بنبرة مليانة راحة وأمل: ـ ما روحتش... أنا هنا، وجنبك، وحاسة إن الدنيا ساعات بتقلب الإنسان بس عشان توقفه في المكان الصح، ومع الناس الصح. عمر ضحك بخفة وقال: ـ يعني مش هتقوليلي "الخدامة في عينك" تاني؟ ضحكت مي من قلبها واكتشفت إنه كان حاسس بكل كلمة كانت بتدور في عقلها من أول يوم، وقالت وهي بتبص للمستقبل بثقة: ـ لا... دلوقتي أقدر أقولك: بحبك يا عمر.