مراتي كانت بتخبّي فلوس 3

فضلت ماسك علبة الكبريت والمفتاح الصغير في إيدي، وعيني مش نازلة من على السطر الأخير: “تحت الشجرة القديمة في الفيوم.. السر لسه مخلصش يا حبيبي.. فيه أمانة تانية لازم تستلمها.”

الفيوم.. المكان اللي شهد أول قصة حبنا من 25 سنة، لما كنا لسه طلبة في الجامعة وجينا رحلة هناك، وتحديداً عند شجرة الجمّيز الضخمة القديمة القريبة من بحيرة قارون، المكان اللي حفرنا عليه أول حرفين من أسمائنا (أ & هـ). هدى كانت دايماً تقول إن المكان ده فيه روحها، بس مكنتش أتخيل أبدًا إنها شالت فيه أمانة تانية تخص مستقبلي ومستقبل الأولاد.

النهار بدأ يشقشق، ونور الشمس دخل الأوضة يطرد ضلمة الليل المرعب اللي عشته. مغسلتش وشي حتى، أخدت المفتاح الصغير والعقد القديم وركبت عربيتي وطيرت على طريق الفيوم. طول الطريق وأنا بفتكر ملامحها وهي بتضحك، وبفتكر الوجع اللي عاشته لوحدها وهي شايلة همومي وحقي من غير ما تشتكي لمرة واحدة.

بعد حوالي ساعتين ونص، وصلت للمكان. النستولوجيا ضربت قلبي.. الشجرة كانت لسه واقفة زي ما هي، قوية ومتجذرة في الأرض رغم السنين. نزلت من العربية والهدوء محاوط المكان بالكامل، مفيش غير صوت الهوا وشقشقة العصافير.

قربت من جذع الشجرة، ولقيت الحرفين اللي حفرناهم لسه باينين، وتحتهم بالظبط كان فيه علامة صغيرة محفورة حديثاً بخط مهزوز.. علامة (+) وجنبها سهم بيشاور للأرض. عرفت إن ده خطها وتوجيهها ليا.

قعدت على ركبي وبدأت أحفر في الطين بإيديا من غير ما أهتم بضوافري اللي بدأت تتجرح أو الردم اللي ملا هدومي. حفرت لعمق شبرين تقريباً لحد ما إيدي خبطت في حاجة صلبة.. علبة حديد صغيرة مقفولة بعناية ومغلفة بأكياس بلاستيك كتير عشان تحميها من الرطوبة والمية.

طلعت العلبة ونفضت من عليها التراب، فكيت الأكياس وبالمفتاح الصغير اللي كان في علبة الكبريت فتحت القفل. قلبى كان بيدق زي طبول الحرب.

جوه العلبة لقيت دفتر توفير قديم باسم ابني الكبير وبنتي الصغير، وجنبه فلاشة إلكترونية (USB)، وورقة مطوية بعناية. فتحت الورقة وقرأت:

“أحمد.. لو إنت واقف تحت الشجرة دي دلوقتي، يبقى أنا ارتحت في تربتي لأن حقي وحقك رجع، ومحمود أخد جزاءه. الدفتر ده فيه كل القرش اللي كنت بوفره من وراك ومن ورا علب الرز والدقيق، ده تمن تعليم أولادنا وتأمين مستقبلهم عشان متمدش إيدك لحد بعد ما أمشي.

أما الفلاشة دي.. فهي السند الحقيقي اللي هيحميك وهيحمي الأرض اللي رجعتهالك. محمود مكنش شغال لوحده يا أحمد، محمود كان مجرد واجهة لشبكة كبيرة من حيتان التزوير ونهب أراضي الناس الغلابة في البلد، والشبكة دي فيها ناس واصلة جداً وصعبة. أنا قدرت من خلال مراقبتي لمحمود في سنينه الأخيرة، ومن ورق شفته بالصدفة في مكتبه، إني أنسخ كل المستندات، العقود، والتحويلات البنكية المشبوهة للشبكة دي كلها على الفلاشة دي.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!