مراتى حكايات على ابو الدهب 1

التفت لشاهيناز وقالها:
— بكرة الصبح، الحاج جلال هياخدك وترجعوا البلد. هبيع حتة الأرض اللي ورثتها من جدي هناك، ونسد الدين ده، وده هيكون آخر قرش تخديه مني طول ما أنا عايش. ومن بكرة، رجلك وعتبة بيتي ده ملمسش بعض تاني!
شاهيناز كانت بتعيط وبتبوس على إيده، بس ياسين كان قاسي ولأول مرة أشوفه بالصلابة دي.
الحاجة كريمة بصت لي، وكانت عيونها مليانة غيظ، بس مكسورة. حاولت تقول كلمة تانية تلقح بيها عليا، بس الحاج جلال زعق فيها لأول مرة:
— لمي هدمك يا كريمة! ولمي بنتك.. مش عاوز أسمع صوت حد فيكم لحد ما الصبح يطلع!
الليلة دي عدت كأنها سنة. محدش نام.
شاهيناز وأمها فضلوا يلموا في الشنط طول الليل وهم بيمشوا على طراطيف صوابعهم. وأنا دخلت المطبخ، غسلت المواعين ونضفت البوتاجاز، ودموعي كانت بتنزل من التعب ومن الخضة.
ياسين دخل ورايا المطبخ، قفل الباب بالراحة، وقرب مني. أخد الفوطة من إيدي، وأخدني في حضنه. فضلت أعيط في صدره وهو بيطبطب على ضهري وبيقولي:
— حقك عليا يا مريم.. أنا أسف إني سيبتك لوحدك الفترة اللي فاتت ومخدتش بالي من اللي بيحصل. أنتِ شيلتيهم وشيلتيني، وده مكانش جزاءك.
قلتله وأنا بشهق:
— أنا مكنتش عاوزة أخرب بينك وبين أهلك يا ياسين.. بس بجد كنت بموت كل يوم.
رد عليا وهو بيبوس راسي:
— أنتِ مخربتيش حاجة.. هما اللي مش مقدرين النعمة. بيتي خط أحمر، وأنتِ وبنتي جواه.
تاني يوم الصبح.. الساعة كانت 7.
الجو كان مغيم والهدوء مغرق الشقة. الحاج جلال واقف في الصالة وشايل شنطته، وشاهيناز خارجة وعينها منفوخة من العياط ومخبية ضوافرها اللي كانت بتتفشخر بيهم في كم البلوزة، والحاجة كريمة بتبص للأرض.
ياسين فتح الباب، وبص لأبوه:
— أنا جاي معاكم بالقطر يا حاج.. هخلص موضوع الأرض ونسدد للراجل عشان البوليس ميتعرضش لشاهيناز، وبكده أكون عملت بأصلي لأخر مرة.
الحاج جلال هز راسه:
— كتر خيرك يا بني.. وسامحنا.
قبل ما يخرجوا، الحاجة كريمة لفت وبصتلي. كنت فاكرة إنها هتعمل مشكلة، بس قالت بنبرة هادية ومكسورة:
— خلي بالك من جوزك يا مريم.. وبنتك.. ياسين راجل.
هزيت راسي من غير ما أتكلم. قفلوا الباب وراهم، والشقة فجأة بقت واسعة.. واسعة أوي ودافية.
بصيت لـ “نور” اللي كانت نايمة في سريرها بسلام بعد ما الوجع خف شوية، وأخدت نفس عميق لأول مرة من أسبوعين. عرفت ساعتها إن الـ 80 متر دول هما دنيتي كلها، وإن معايا راجل بجد بيعرف يحمي بيته ويجيب حق مراته في الوقت المناسب.
