جواز صالونات حكايات رومانى مكرم 1

نظرتُ إليها… كانت واقفة عند باب المطبخ كصنم من رخام، يداها ترتجفان وهي تمسك بوعاء صغير سقط من بين أصابعها ليتناثر ما فيه على الأرض، تمامًا كما تناثرت بقايا الهدوء الزائف الذي عشنا فيه طوال الأيام السبعة الماضية.
خطوتُ نحوها بخطوات بطيئة وثقيلة، كل خطوة كانت تدك الأرض دكًا. لم أتكلم، بل رفعت الهاتف أمام وجهها، وأدرت سجل المكالمات ليرى عيناها الرقم الذي كان يبث سمومه منذ ثوانٍ. تراجعت خطوة إلى الخلف، والذعر في عينيها تضاعف مائة مرة عن ليلة الدخلة.
“هو…” همست بالكلمة وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. “والله العظيم ما أعرف جاب رقمي منين.. ولا يعرف مكاني إزاي.. أنا مكلمتوش!”
“اشششش…” خرجت الكلمة من فمي حادة كالشفرة. لم أعد أحتمل سماع مبررات أو بكاء. سحبتها من يدها بعنف لم أعهده في نفسي من قبل، وأجلستها على أقرب مقعد.
وقفت فوق رأسها وقلت بصوت منخفض، لكنه يحمل تهديدًا كالموت:
“الراجل ده يعرف إيه عنك بالظبط؟ ومعاه إيه يقدر يهددك بيه؟ انطقي.. مفيش وقت للدموع والتمثيل، الراجل ده قال إنه عارف عنوان الشقة، يعني ممكن في أي لحظة تلاقيه واقف تحت البيت، أو بيكلم أبوكي أو أبويا.. انطقي بكل حاجة عشان أعرف أنا واقف في أنهي مصيبة بالظبط!”
أخفت وجهها بين كفيها، وانفجرت في بكاء مرير، وهي تهز رأسها يمينًا ويسارًا، ثم قالت بصوت متقطع:
“معاه.. معاه صور ليا.. وصور لشبكتنا القديمة لما كنا بنقرا الفاتحة في السر في كافيه.. ومعاه رسايل قديمة.. لما قالي إنه عمل حادثة، أنا غيرت خطي وقفلت كل حاجة، وافتكرت إن الموضوع انتهت بموته.. معرفش رجع منين، ولا عرف عنوانا إزاي!”
في تلك اللحظة، أدركت أن الأمر لم يعد مجرد “ستر” لفتاة أخطأت وانتهى الأمر، بل تحول إلى مستنقع من الابتزاز قد يلوث سمعتي وسمعة عائلتي التي حافظت عليها طوال عمري. فكرة أن يمر هذا الحثالة تحت نافذتي، أو ينظر إلى بيتي بنظرة انتصار، جعلت الدم يغلي في عروقي لدرجة الغليان.
نظرت إلى الهاتف الذي بدأ يهتز مرة أخرى في يدي.. نفس الرقم يعاود الاتصال.
أشرت إليها بسبابتني أن تصمت تمامًا. ضغطت على زر الرد، وفتحت مكبر الصوت (الاسبيكر)، لكن هذه المرة لم أنتظر أن يتحدث. نبحت فيه بنبرة هادئة، هدوء يسبق العاصفة:
“اسمعني كويس يا روح أمك.. الخط ده، والصوت ده، مش هيردوا عليك تاني.. العروسة اللي بتدور عليها بقت مراتي، وأي كلمة، أو أي حركة، أو رجلك دي لو عتبت الشارع اللي أنا ساكن فيه.. هتدفن مكانك. فاهم ولا مش فاهم؟”
