الصوت الحاد والمليء بالغل الذي خرج من سماعة الهاتف جعل جسدي كله يتصلب. نظرتُ إلى أحمد وإلى عبده، ورأيت علامات الذهول والصدمة قد حفرت ملامحهما. هذا الصوت لم يكن غريبًا أبدًا، إنه صوت نعرفه ونسمعه يوميًا.. صوت "شادية"، زوجة أخو زوجي الثالث (سلف تني الثانية)! "شادية؟!" نطق أحمد بالاسم وكأن جمرة نار حرقت لسانه، بينما تجمد عبده وهو يمسك الهاتف بيده المرتجفة. ضحكت شادية على الطرف الآخر ضحكة مستفزة وقالت بنبرة تقطر سمًا: "أيوه شادية.. مصدومين ليه؟ افتكرتوا إن سامية لوحدها هي اللي كانت عايزة تخلص من فوزية؟ لاء يا حلوين، إحنا الاتنين يد واحدة، والخط الهارب اللي اتكسر ده كان باسمي أنا، ومدحت طليق الست فوزية يبقى قريبي من بعيد وهو اللي طلب مننا نساعده عشان يكسر عينها وترجعله زليلة بعد ما شافت نفسها علينا وخدت سيد الرجالة!" وقبل أن ينطق أحمد بحرف واحد، أغلقت الخط في وجهنا. تحول المكان إلى بركان يغلي. عبده، رغم جراحه ودماء وجهه، وقف على قدميه وهو يصرخ: "الحريم كانوا بيديروا شبكة وساخة من ورا ضهرنا في البيت! شادية وسامية متفقين مع طليق مرتك عشان يخربوا بيوتنا؟!" أحمد لم يتكلم.. لكن الصمت الذي خيم عليه كان أرعب من أي صراخ. التفت إليّ وعيناه حمراوان كالجمر، وأمسك بيدي بقوة وقال بصوت منخفض ومنذر بالخراب: "اركبي العربية يا فوزية." عدنا إلى بيت حماتي حيث كانت الليلة قد قاربت على الانتهاء، لكن العاصفة الحقيقية كانت تبدأ الآن. اندفع أحمد وعبده داخل الشقة كالإعصار. كانت حماتي جالسة تبكي، وسامية شاحبة كالموتى في الزاوية، وبمجرد أن دخلنا، خرجت شادية من غرفتها وهي تتصنع البرود وعدم المعرفة. "في إيه يا رجالة؟ مالكم داخلين كده ليه؟" قالت شادية بوقاحة. لم يرد عليها أحمد، بل تقدم نحوها وبحركة سريعة سحب هاتفها من يدها، وفي نفس الوقت هجم عبده على سامية وامسكها من ذراعها بغضب أعمى. صاحت حماتي بفزع: "في إيه يا ولاد؟ هتموتوا الحريم؟ استهدوا بالله!" صرخ عبده في أمه: "يا أمة الحريم اللي كنتِ فاكراهم شرفاء، مطلعين عيننا ومخططين مع طليق فوزية عشان يلبسوها مصيبة ويطلقوها! شادية وسامية هما اللي جايبين الخط وهما اللي مأجرين صيع يضربوني في الشارع ويكسروا التلفون!" هنا انقشع قناع البرود عن وجه شادية، وتراجعت للخلف وهي تنظر لسامية برعب بعد أن أدركت أن اللعبة كُشفت تماما بالصوت والصورة. أحمد فتح هاتف شادية التي لم تسعفها الدقائق لتمسح سجلاتها، وبدأ يقرأ بصوت زلزل جدران البيت رسائل "الواتساب" بينها وبين مدحت طليقي. كانت الرسائل تحتوي على تفاصيل مرعبة.. لم يكن الأمر مجرد طلاق، بل كانوا يخططون لعمل "كمين" لي في شوارع المنطقة بعد أن يطردني أحمد من البيت، ليقوم مدحت بخطفي وإجباري على التوقيع على تنازلات عن كل حقوقي بل وإجبار عائلتي على تزويجي منه مجددًا تحت التهديد بالفضيحة! التفتُّ إلى سامية وشادية وأنا أبكي بحرقة وقهر: "أنا عملت لكم إيه؟ ده أنا عمري ما أذيتكم، وواقفة أطبخ وأخدم في عزومتكم! لدرجة دي السواد مالي قلوبكم؟!" حماتي لما سمعت الكلام وقرأت الرسائل بنفسها، لطمت على صدرها وقامت وضربت شادية وسامية بالقلم وهي تصرخ: "يا فاجرات! يا مخربات البيوت! تبيعوا عرضكم وشرفكم عشان غل وحقد؟!" تقدم عبده من سامية وقال لها ونبرة الطلاق في صوته: "أنتِ.." ولكن قبل أن ينطق بكلمة الطلاق، وفي عز المعركة والصراخ، انفتح باب الشقة فجأة ودخل أخوهم الثالث "محمود" (زوج شادية)، وكان وجهه أصفر ومخطوفًا، ويمسك بيده ورقة رسمية أرسلتها الشرطة حالا إلى البيت! نظر إلينا محمود برعب وقال: "الحقوا.. البوليس قبض على مدحت طليق فوزية في كمين على أول الشارع، وهو محجوز في القسم دلوقتي، والظابط طالب عبده وأحمد وفوزية حالا.. لأن مدحت اعترف بكل حاجة وقال إن في حد جوه البيت هنا هو الراس الكبيرة اللي حركت كل ده.. والمفاجأة إن الراس الكبيرة مش سامية ولا شادية!" تسمرت العيون كلها في مكانها.. إذا لم تكن سامية ولا شادية هما العقل المدبر، فمن يكون الشخص الخفي داخل العائلة الذي يقود هذه الحرب الشيطانية ضدي؟ حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم ساد صمت مرعب في الصالة، صمت تداخلت فيه أنفاسنا المتلاحقة بنظرات الرعب والخوف. نظرتُ إلى محمود والورقة ترتجف في يده، ثم التفتُّ إلى سامية وشادية اللتين بدا عليهما الذهول وكأنهما هما أيضًا لا تعرفان شيئًا عن هذه "الرأس الكبيرة". "يعني إيه؟!" صرخ أحمد في وجه أخيه محمود وهو يجذبه من قميصه: "يعني إيه مش هما؟ أمّال مين اللي كان بيمشيهم وبيمشي مدحت؟ انطق يا محمود في إيه؟!" محمود بلع ريقه بصعوبة ونظر إلى الأرض وقال بصوت مرتعش: "الظابط قال لي في التلفون إن مدحت أول ما اتمسك في الكمين، خاف من قض*ية الخطف والتحريض، واعترف إن في حد من العيلة هنا كان بيمده بفلوس، وهو اللي اشترى الخطوط، وهو اللي اقترح فكرة البلكونة في وقت العزومة بالثانية.. والحد ده يبقى..." وقبل أن ينطق محمود بالاسم، التفتنا جميعًا على صوت شهقة قوية وارتطام بجسد يسقط على الأرض. كانت حماتي قد سقطت مغشيًا عليها، ووجهها شاحب كالموت. ارتبك البيت تمامًا. ركض أحمد وعبده نحو أمهما، وحملوها إلى الكنبة وهم يحاولون إفاقتها بماء وعطر، بينما كنت واقفة في مكاني، وعقلي يربط الخيوط ببعضها. نظرتُ إلى شادية وسامية، رأيت في عيونهما نظرة خوف وفهم مفاجئ.. كأنهما عرفتا الآن فقط من كان يحركهما كقطع الشطرنج! بعد دقائق استعادت حماتي وعيها ببطء، وكانت دموعها تنزل بغزارة وهي تنظر إلى أحمد وعبده وتقول بنبرة مكسورة: "بلاش يا ولاد.. بلاش تروحوا القسم.. ابوس إيديكم الموضوع ده يتقفل هنا.. البيت هيتخرب!" تقدم أحمد من أمه، وعيناه تلمعان بصرامة غير معهودة، وقال: "أمي.. أنتِ عارفة مين الشخص ده؟" لم ترد حماتي، بل خفضت رأسها وظلت تبكي بحرقة. هنا، انتزع أحمد الورقة الرسمية من يد محمود وقال بصوت جهوري: "عبده.. خدي فوزية ويلا بينا على القسم. الحقيقة لازم تبان حالا، واللي غلط هيتحاسب حتى لو كان أقرب الناس لينا!" خرجنا من البيت والأجواء مشحونة لدرجة الاختناق. وصلنا إلى قسم الشرطة، ودخلنا إلى مكتب معاون المباحث الذي كان يجلس وأمامه "مدحت" طليقي، مكلبش اليدين، وعلامات الخوف والذل ظاهرة عليه بعد أن تخلت عنه شجاعته المزيفة. بمجرد أن رآني مدحت، صاح بلهفة: "فوزية! قولي لجوزك يسامحني.. أنا اتلعب بدماغي.. أنا مكنتش عايز أعمل كده، هما اللي جّروني وحطوا الغل في قلبي وقالوا لي هترجعلك مكسورة!" تقدم أحمد ونظر إليه بغضب قائلًا: "انطق يا حيوان.. مين اللي حركك؟ ومين اللي دفعلك وفهمك تعمل كده؟" نظر مدحت إلى الضابط وكأنه يستمد منه الأمان، ثم أشار بإصبعه وقال بصوت مرتجف: "الشخص اللي خطط لكل ده.. وسجل الخطوط باسم شادية وسامية من غير ما يعرفوا بالتفصيل.. وكان بيديني فلوس عشان أراقب فوزية وأعرف مواعيدها.. يبقى..." حبست أنفاسي، وشعرت أن قلبي سيتوقف من فرط المفاجأة والصدمة وهو ينطق الاسم الذي لم يكن يخطر على بال أحد منا، الاسم الذي سيقلب العائلة رأساً على عقب وينهي كل شيء! حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو نطق مدحت بالاسم، فكانت الكلمة كالقنبلة التي فجّرت ما تبقى من عقولنا.. قال بصوت يرتجف: "يبقى محمود.. أخوكم الثالث وزوج شادية!" تسمر أحمد وعبده في مكانهما وكأن على رؤوسهما الطير. "محمود؟!" صرخ أحمد بصوت هز جدران مكتب الضابط، "أخويا أنا؟ اللي لسه جايب لنا الورقة وبيمثل علينا الخوف؟" التقط الضابط أطراف الحديث وقال بنبرة حازمة: "المتهم اعترف بالتفصيل يا أحمد يا فوزي. أخوكم محمود كان بيمر بضائقة مالية ضخمة بسبب ديون تجارته، ومدحت طليق فوزية ميسور الحال ومستعد يدفع أي مبلغ عشان يرجع فوزية ويكسر عينها. محمود استغل غيرة مراته شادية وسلفتها سامية من فوزية، وبدأ يغذّي فيهم الغل ده ويحركهم من غير ما يحسوا إنه هو المستفيد الأول.. اشترى الخطوط، ورتب ميعاد العزومة، وفهم سامية تدخل البلكونة في الوقت اللي عبده داخل فيه، وكل ده عشان يقبض التمن من مدحت ويخلص من ديونه على حساب شرف أخوه وبيت أخوه!" انهرت باكية على الكرسي وأنا أستمع لبشاعة المؤامرة. الأخ يبيع عرض أخوه ويخرب بيته من أجل حفنة من المال! أما أحمد وعبده، فكانت ملامحهما قد تحولت إلى قسوة لا توصف؛ صدمة الأخ أكبر بكثير من صدمة الغريب. أمر الضابط باحتجاز مدحت، وتم إصدار أمر ضبط وإحضار لمحمود. عدنا إلى بيت حماتي، وبمجرد أن فتحنا الباب، وجدنا محمود يحاول لملمة حقائبه والهروب بعد أن أحس أن أمره قد كُشف، لكن أحمد وعبده انقضا عليه كالأُسود الجريحة. دارت معركة حامية وسط صراخ حماتي ولطم شادية وسامية اللتين عرفتا أنهما كانتا مجرد أدوات غبية في يد هذا الشيطان. لم يتركه أحمد وعبده إلا ورجال الشرطة يدخلون الشقة ويكبّلون يديه ليقاد إلى السجن مع طليقي، لينال جزاء خيانته ودناءته. بعد تلك الليلة المشؤومة، انقلبت أحوال العائلة رأسًا على عقب. عبده طلق سامية طلاقًا بائنًا لعدم أمانتها وخوضها في الأعراض، بينما طلبت شادية الطلاق من محمود بعد الفضيحة والعار الذي لحق بها وبعيالها بسبب جشعه وخيانته. أما أحمد، فأمسك بيدي أمام حماتي التي كانت تبكي خجلًا مما جرى، وقال لها: "أنا هقفل شقتي هنا يا أمي، وهاخد مراتي وأبعد.. فوزية شالت راسي وصانت عرضي، ومكانها فوق راسي، والبيت اللي ملوش أمان لأهله، البُعد عنه غنيمة." ### الحكمة من القصة: إن أشد الطعنات إيلامًا هي تلك التي تأتي من الأيدي التي كنا نظن أنها سندنا في الحياة. في هذه القصة تجلت أسمى مواقف البراءة والعدالة الإلهية، ونخرج منها بحكم بليغة: * **الظلم مرتعه وخيم:** مهما بلغت دقة الخطط الشيطانية ومهما أُحكمت المؤامرات، فإن الله عز وجل يمهل ولا يهمل، وبراءة المظلوم تخرج من وسط الظلمات كالشمس الشارقة في وضح النهار. * **احذروا الغيرة والحسد:** الغيرة بين الأقارب (مثل السلفات) هي الوقود الذي يلتهم البيوت الهادئة. شادية وسامية سمحتا للغل أن يعمي عيونهما، فصارتا مطية للشيطان ليخرب بيوتهما بيديهما. * **الثقة المتبادلة بين الزوجين:** لولا رجاحة عقل أحمد وبحثه عن الحقيقة رغم ارتباك الموقف في البداية، لكانت الشكوك قد هدمت بيته المستقر. الثقة والتريث قبل إلقاء الأحكام هما طوق النجاة لأي علاقة زوجية. * **الأقارب عقارب (في بعض الأحيان):** المال الأعمى قد يحول الأخ إلى عدو لدود. احفظ أسرار بيتك وحياتك حتى عن أقرب الناس إليك، فليس كل من ابتسم في وجهك يحمل لك الخير في قلبه. > **تمت القصة بحمد الله.** > **بإمضاء: #الكاتب_رومانى_مكرم** >