عقد اسما 3

بعد افتتاح المركز بأسبوعين، حياتي بدأت تاخد شكل جديد لأول مرة من سنين.
صحيت الصبح من غير توتر.
من غير ما أبص على موبايلي مستنية رضا حد.
من غير ما أفكر إذا كان كلامي أو لبسي أو شغلي هيضايق “سلوى الدمنهوري”.
بقيت أروح المركز بدري، أفتح الشبابيك بنفسي، وأسمع صوت الأطفال وهم داخلين يجروا بحماس.
المكان كان صغير، لكنه شبه قلبي بعد ما اتصلّح.
مش كامل…
بس حي.
الأطفال كانوا يحبوني بشكل يوجع ويطبطب في نفس الوقت.
طفلة صغيرة اسمها “ملك” كانت كل يوم تجري تحضني أول ما أدخل.
وفي مرة سألتني ببراءة: “ميس ليلى… ليه إنتِ دايمًا بتبتسمي حتى لما عينيكي شكلها زعلان؟”
ضحكت وقتها، لكن السؤال فضل معلق جوايا طول اليوم.
يمكن فعلًا كنت لسه زعلانة.
مش على الجوازة.
على نفسي القديمة.
البنت اللي كانت مستعدة تتنازل عن كرامتها بالتدريج علشان تحافظ على حب.
في ليلة من الليالي، كنت قاعدة مع أمي في البلكونة نشرب شاي.
الهوا كان دافي، وصوت عربية فول بعيد بيعدي في الشارع.
أمي بصتلي فجأة وقالت: “إنتِ لسه بتحبيه؟”
سكت.
ثم ابتسمت بحزن: “الحب مش زرار بيتقفل يا ماما.”
هزت راسها بتفهم.
وقالت: “بس أحيانًا الحب لو فضل لوحده… يكسرك.”
بصيت قدامي وأنا بسرح في نور العمارات.
ثم قلت: “أنا بقيت بحبه من بعيد… كأنه شخص كان المفروض يبقى حاجة حلوة في حياتي، بس ما عرفش.”
أمي مسكت إيدي.
“ربنا أحيانًا ينقذنا بالحزن.”
الكلمة دخلت قلبي بهدوء.
بعدها بأيام، كنت في المركز براجع ملفات الأطفال، لما السكرتيرة دخلت وقالت: “في حد مستني حضرتك برا.”
رفعت عيني بتعب: “مين؟”
قالت بتردد: “والدة كريم بيه.”
اتجمدت.
قلبي دق بعنف غصب عني.
سلوى.
أول مرة تيجي مكان يخصني أنا.
خرجت لها.
كانت قاعدة في الاستقبال، لابسة أبيض ودهب كعادتها، لكن في حاجة مختلفة.
وشها مرهق.
وعينيها تحتها هالات خفيفة.
أول ما شافتني قامت.
بصتلها بهدوء.
وقلت: “خير؟”
سكتت ثواني.
ثم قالت: “ممكن نتكلم؟”
دخلنا المكتب.
قفلت الباب.
وسبت بينا مسافة كبيرة.
هي بصت حواليها للمكان.
للرسومات.
للألوان.
للأطفال اللي صوتهم داخل من برا.
وقالت: “كريم بقى شخص تاني.”
ما رديتش.
كملت: “ساب الشركة.”
اتصدمت.
“إيه؟”
“قال إنه مش عايز يعيش الحياة اللي أنا رسمتهاله.”
لأول مرة… سمعت التعب في صوتها.
قعدت على الكرسي وقالت: “من يوم ما سيبتيه وهو مش زي الأول.”
سكت شوية.
ثم بصتلي: “إنتِ غيرتيه.”
ضحكت بسخرية خفيفة: “واضح إن حضرتك جاية تلوميني.”
هزت راسها بسرعة: “لا… جاية أفهم.”
دي كانت آخر حاجة أتوقعها منها.
سلوى الدمنهوري… عايزة تفهم؟
قالت وهي تفرك إيديها بتوتر: “أنا طول عمري كنت فاكرة إني بحمي ابني.”
بصيتلها بصمت.
كملت: “أبوه الله يرحمه كان ضعيف جدًا. الناس أكلته في الشغل. وأنا اللي بنيت كل حاجة بعده. اتعلمت إن الدنيا ما بترحمش… وإن السيطرة هي الأمان.”
أول مرة أشوفها مش متكبرة.
مجرد ست مرعوبة.
قالت: “يمكن بالغت.”
ضحكت بمرارة: “يمكن؟”
نزلت عينيها.
“أنا خسرت ابني.”
سكتنا.
ثم قالت بصوت واطي: “هو لسه بيحبك.”
قلبي وجعني رغمًا عني.
لكن قلت بهدوء: “وده ما بقاش كفاية.”
بصتلي طويلًا.
ثم سألت: “مفيش فرصة؟”
لثواني…
افتكرت كريم.
ضحكته.
صوته.
حضنه.
الأحلام اللي بنيناها.
ثم افتكرت الليلة دي.
العقد.
صمته.
تردده.
والنسخة مني اللي اتكسرت وهي مستنياه يحميها.
قلت أخيرًا: “أنا سامحته… بس ما أقدرش أرجع.”
دمعة نزلت من عين سلوى بسرعة مسحتها فورًا.
وقامت.
قبل ما تمشي وقفت عند الباب وقالت: “إنتِ أول حد يقف قدامي وما يخافش.”
ابتسمت بحزن: “لأ… أنا كنت بخاف جدًا. بس تعبت من الخوف.”
خرجت.
وسابتني قاعدة لوحدي.
ولأول مرة…
حسيت إني فعلًا قفلت الباب القديم.
بعد شهور، المركز كبر أكتر.
بدأنا نعمل أنشطة للأطفال.
ورش رسم.
دعم نفسي.
ومبادرات للأمهات.
وفي يوم، اتدعيت لمؤتمر تعليمي صغير علشان أتكلم عن تجربتي.
كنت متوترة جدًا.
وقفت على المسرح قدام الناس، وإيديا بتترعش.
لكن أول ما بدأت أتكلم…
الكلام خرج من قلبي.
حكيت عن الأحلام اللي بتتأجل علشان الخوف.
وعن الستات اللي بيفتكروا إن الحب لازم يكلّفهم نفسهم.
وعن اللحظة اللي فهمت فيها إن الكرامة مش رفاهية.
بعد المحاضرة، ست كبيرة في السن وقفت قدامي ودموعها في عينيها.
وقالت: “كنت هخلي بنتي تكمل جوازة شبه دي… بس بعد كلامك، هرجع آخدها.”
حضنتني.
وفي اللحظة دي…
حسيت إن وجعي ما راحش هدر.
في نفس الليلة، وأنا راجعة البيت، لقيت رسالة من رقم مجهول.
“إنتِ كنتِ أشجع مني.”
استغربت.
ثم جات رسالة تانية: “أنا بنت عمي كانت هتتجوز واحد زي كريم… وسيبته قبل الفرح بأسبوع بسبب قصتك.”
قعدت أقرأ الرسالتين وأنا ساكتة.
ثم ابتسمت.
لأن يمكن ربنا ما جبرنيش بس…
يمكن استخدم كسرتي علشان ينقذ غيري.
أما كريم…
فآخر مرة شفته كانت بعد حوالي سنة ونص.
كان في فرح واحد صاحبنا المشترك.
كنت مترددة أروح، لكن ريم أصرت.
ولما دخلت القاعة…
شوفته فورًا.
كان واقف بعيد مع شوية ناس.
أول ما عينه جت في عيني…
سكت.
والزحمة حواليه اختفت كأنها مش موجودة.
كان أهدى بكتير.
ملامحه نضجت.
وفيه حزن ساكن.
قرب بعد فترة قصيرة.
وقف قدامي وقال بابتسامة خفيفة: “إزيك؟”
ابتسمت: “الحمد لله.”
سكتنا لحظة.
ثم قال: “سمعت إن المركز بقى عنده فرعين.”
ضحكت: “آه.”
هز راسه بإعجاب حقيقي: “كنتِ دايمًا أقوى مما كنتِ فاكر.”
رديت بهدوء: “وأنت كنت أضعف مما كنت فاكرة.”
الكلمة وجعته.
لكن الغريب إنه ابتسم بعدها.
وقال: “حقيقي.”
ولأول مرة…
ماكانش في بينا غضب.
بس حقيقة.
قال: “أنا اتعلمت متأخر.”
قلت: “كلنا بنتعلم.”
بصلي طويلًا.
ثم قال: “لو الزمن رجع بيا… كنت اخترتك.”
حسيت قلبي يوجع للحظة.
لكنها كانت وجعة حنين… مش رغبة رجوع.
قلت: “بس الزمن ما رجعش.”
هز راسه ببطء.
ثم ابتسم: “يمكن دي أول مرة أفهم معنى الخسارة فعلًا.”
في اللحظة دي، نادتني ريم من بعيد.
بصيت له مرة أخيرة.
ولأول مرة من سنين…
قدرت أبص له من غير ما أتمنى شيء.
لا رجوع.
لا اعتذار.
لا نهاية مختلفة.
لأن النهاية دي بالذات…
هي اللي صنعت الست اللي بقيت عليها.
قبل ما أمشي، كريم قال: “ليلى.”
لفيت.
قال بصوت هادي: “أنا فعلًا آسف.”
ابتسمت له ابتسامة صغيرة.
وقلت: “وأنا فعلًا اتعافيت.”
ومشيت.
في طريق رجوعي ليلة الفرح، فتحت شباك العربية.
الهوا دخل يضرب في وشي.
وقعدت أبص لنور القاهرة وهي ماشية جنبي.
وافتكرت البنت اللي كانت قاعدة في مطعم فاخر، ماسكة عقد مهين، ومستنية راجل ينقذها.
لو أقدر أرجع للبنت دي دلوقتي…
كنت هحضنها.
وأقولها: “إنتِ فاكرة إن النهاية دي هتكسرك… لكنها هتنقذك.”
بعد سنتين، وقفت قدام مراية أوضتي ألبس فستان أبيض مرة تانية.
بس المرة دي…
ماكانش فستان فرح.
كان فستان حفل تكريم.
المركز بقى من أكبر المراكز التعليمية الصغيرة في المنطقة، واتكرمنا على شغلنا مع الأطفال.
أمي كانت قاعدة في الصف الأول تبكي بفخر.
وحسام يصور كل حاجة.
وريم تصرخ كأنها صاحبة التكريم.
وأنا؟
كنت واقفة أضحك.
بصدق.
من غير خوف.
من غير ما أحتاج موافقة حد علشان أحس إني كفاية.
وفي آخر الحفل، وأنا خارجة، طفلة صغيرة شدت فستاني وقالت: “ميس ليلى… هو ينفع البنت تبقى قوية ولطيفة في نفس الوقت؟”
ركعت قدامها.
وابتسمت.
وقلت: “دي أحلى قوة ممكنة.”
رجعت البيت الليلة دي، ووقفت في البلكونة مع أمي.
بصيت للسما.
ثم همست لنفسي: “الحمد لله إني ما مضيتش.”
لأن أحيانًا…
الورقة اللي ترفض تمضيها بإيدك…
بتكون هي الورقة اللي ربنا كتب فيها نجاتك.
تمت
