بعد ما ورثت بيت حكايات رومانى مكرم 3

شعرت بغصة في حلقي. هل يعقل أن يكون أبي قد فعل ذلك؟ لا.. مستحيل. أبي كان يعلم مدى طمع طارق، ورسالته في الخزنة كانت واضحة: *”لو في يوم حد فكر يستقوى عليكي.. روحي للراجل ده”*.
قلت بثقة ويقين:
— العقد ده مزور يا سيادة المستشار. أبويا مستحيل يمضي على ورقة زي دي من ورايا، ومستحيل يسلم رقبتي لطارق من قبل حتى ما نتجوز. طارق زور امضاء أبويا!
التفت إليّ المستشار رفعت ونظرة الإعجاب بصلابتي تملأ عينيه:
— وأنا رأيي من رأيك يا بنتي. الأستاذ هشام الله يرحمه كان رجل قانون ومستحيل يقع في غلطة زي دي. طارق استغل السبع سنين اللي عاشهم معاكي في البيت، ودخوله لمكتب والدك، وأكيد لقى ورقة قديمة عليها امضاء والدك أو درس خطه بالمسطرة والقلم وزور العقد ده بمساعدة محامي منعدم الضمير. لكن المشكلة إن العقد ده متقدم للنيابة بطلب رسمي، والنيابة هتحوله للطب الشرعي لـ “أبحاث التزييف والتزوير” عشان يفحصوا الخط والامضاء، والموضوع ده بياخد وقت، وطارق هيستغل ده عشان يطلب إخلاء سبيله على ذمة القض..ية ويدخل البيت بقوة القانون كـ “مستأجر حائز”!
نظرت من نافذة السيارة إلى شوارع المعادي الهادئة، والضوء الخافت المنبعث من أعمدة الإنارة يذكرني بليلة اقتحام طارق للحوش. فكرت بعمق، وتذكرت شيئاً مهماً.. شيئاً صغيراً جداً قد يقلب الطاولة على طارق ويدفنه في السجن إلى الأبد بتهمة التزوير الجنائي.
التفتت للمستشار وقلت بابتسامة حادة:
— خليه يقدم العقد للطب الشرعي يا سيادة المستشار، وخليه يفرح باللعبة دي كام يوم. طارق نسى حاجة مهمة أوي وهو بيزور العقد ده.. حاجة هتكشف كذبه من أول دقيقة فحص للورق!
— حاجة إيه يا أسماء؟
— طارق لما زور امضاء أبويا، أكيد استخدم قلم حبر عادي عشان يبان الخط قديم. لكن أبويا الله يرحمه، من يوم ما استلم عقد ملكية البيت، مكنش بيمضي على أي ورقة تخص البيت أو الشغل إلا بقلم واحد بس.. “قلم السيراميك الأسود” اللي سابهولي في المكتب، الحبر بتاع القلم ده حبر كربوني مخصص للمستندات الرسمية، مش حبر جاف عادي، وأبويا كان دايماً يقول لي: *(الحبر ده بيموت مع الورقة ومبيتغيرش لونه ولا بيتمسح)*. لو الخط المكتوب بيه العقد الجاف العادي، الطب الشرعي هيثبت إن عمر الحبر متطابقش مع التاريخ المكتوب! ومش بس كده.. العقد المزعوم مكتوب بتاريخ قبل وفاة أبويا بسنتين.. وفي التاريخ ده بالذات، أبويا كان في رحلة علاجية برة مصر في ألمانيا لمدة 6 شهور، وجواز سفره القديم لسه معايا في الخزنة ومثبت فيه تواريخ الخروج والدخول من المطار! يعني أبويا مستحيل يكون مضى العقد ده في مصر بالتاريخ اللي طارق كاتبه!
