مكالمة ابني ٣ حكايات زهرة

يعني إيه يا أمي؟ مش ه تساعديني؟ قالها وهو باصص لي بقلة حيلة.
لا يا حبيبي، مش هساعدك. فلوسي من النهاردة ليا.. هسافر بيها، هشتري بيها لبس، هتبرع بيها.. لكن قرش واحد يدخل جيبك وجيب مراتك تاني، مش هيحصل. والشنطة اللي كنت باجي بيها يوم الجمعة، وفرت تمنها وتمن مواصلاتها.
قمت وقفت وفتحت باب الشقة مع السلامة يا بني.. وربنا يوفقك في حياتك الجديدة.. الشقة واسعة ومراتك هتاخد راحتها فيها على الآخر.
خرج حازم وهو بيجر رجليه وراه، مكسور ومذهول من الأم اللي اتحولت فجأة لصخرة مابتلينش.
الشهور مرت..
حازم حياته اتقلبت رأس على عقب. المرتب بقى يتخصم منه القسط وغرامات التأخير، ومبقاش يفيض معاه غير ملاليم. نهى مبقتش تلاقي فلوس الخروجات والمطاعم الغالية، وبدأت المشاكل تدب بينهم. لما عرفت إن الشقة مهددة بالحجز وإن حازم مديون للبنك، سابت البيت وغضبت عند أهلها وهي في شهرها السابع، وقالت له أنا متجوزتش واحد شحات مش عارف يصرف عليا وعلى ابنه.
حازم كان بيكلمني من وقت للتاني، صوته كان بيبقى مليان عياط وتعب، بيطلب بس الرضا والدعاء، ومبقاش يجرؤ يطلب قرش واحد. كنت برد عليه، بدعي له بالهداية والصلاح، بس من ورا الشاشة.. مبروحش، ولا ببعت قرش، ولا بفتح قلبي زي زمان.
في يوم،

جارتي أم أحمد خبطت عليا يا أم حازم، سمعت إن نهى ولدت وجابت ولد زي القمر.. مش هتروحي تشوفي ابن ابنك؟
بصيت لأم أحمد وابتسمت يتربى في عز أبوه وأمه يا أم أحمد.. ربنا يبارك لهم فيه.
يعني مش هتروحي المستشفى؟
المستشفيات للناس القريبة يا حبيبتي.. وأنا برة الدايرة دي خلاص. أنا بعتّ مع حازم علبة سبوع فضة، وده واجبي كجدة.. لكن دخولي وخروجي في حياتهم انتهى.
بعد سنة كاملة من المقاطعة ووضع الحدود..
يوم الجمعة الصبح، الجو كان جميل في المنيل. كنت قاعدة في البلكونة وبشرب قهوتي، ولابسة فستان جديد ألوانه مبهجة، وكنت بجهز نفسي عشان هسافر مع جروب رحلات تبع المعاشات لمدينة دهب.. رحلة كنت بحلم بيها من سنين وعمري ما عملتها عشان كنت بوفر القرش لحازم.
الباب خبط.
فتحت.. لقيت حازم واقف.
المرة دي مكانش جاي بزعيق، ولا بكسرة مبالغ فيها.. كان واقف وهدومه بسيطة، وشايل على كتفه طفل صغير عنده حوالي سبع شهور.
حازم بص لي وعينه دمعت صباح الخير يا أمي.. أنا مش جاي أطلب حاجة، ولا جاي أشتكي من نهى.. أنا جاي أقولك إني نقلت من حدائق الأهرام، بعت الشقة وسددت البنك، وأجرت شقة صغيرة على قدنا في الجيزة.. وجاي أوريكِ عبد الحميد الصغير.. سميته على اسم أبويا الله يرحمه.
بصيت للطفل اللي في إيده.. كان نسخة من حازم وهو صغير. عينيه الواسعة البريئة كانت بتبص لي وبتضحك.
قلبي دق دقة غريبة.. دقة الجدة اللي جوايا. بس المرة دي، الدقة كانت واعية، مش مندلقة.
تنحيت خطوة لورا وقلت له أهلاً يا حازم.. اتفضل ادخل.
دخل وقعد، وحط الولد على الكنبة. الولد بدأ يحبي ناحيتي. مديت إيدي وشيلته.. ريحته كانت جميلة، ريحة الأطفال اللي بترد الروح.
حازم قعد وقالي بصوت واطي أنا اتعلمت الدرس يا أمي.. اتعلمته بالطريقة الصعبة. الشدة اللي عشتها السنة اللي فاتت دي عرفتني إن البيوت مابتتبنيش بالمنظرة الكدابة، والست اللي متستحملش جوزها في ضيقته متلزموش.. نهى رجعت لي لما لقتني أخدت موقف وبقيت راجل بجد وبمشي بيتي بقرشي ومبركعش لحد. وأنا عرفت قيمتك وقيمة التراب اللي كنتِ بتمشي عليه.. أنا أسف على كل لحظة حسستك فيها إنك تقيلة على قلبي.
بصيت لحازم، ولقيت في عينه نظرة راجل بجد.. مش الولد المدلع اللي أمه بتجري وراه باللقمة وبيدوس عليها عشان يرضي مراته. الضيقة نشفته، والمسؤولية كبرته.
هزيت راسي وقلت له وأنا ببوس الولد الصغير المسامح كريم يا حازم.. أنا مابكرهكش، أنت ابني وحتة من قلبي.. بس كان لازم تفهم إن الأمومة مش شيك على بياض. الأم سند، والأبواب المفتوحة والقلوب الطيبة دي نعم من ربنا لازم تتباس وتتحط على الراس، مش تتداس بالجزم.
دموعه نزلت ومسك إيدي داس عليها وباسها عندك حق في كل كلمة.. توبتك يا أمي.. مش عايز منك غير إنك تدعي لي وتسمحي لي أجي أشوفك أنا والواد كل أسبوع.. ومش هتشوفي نهى هنا غير لو أنتِ اللي طلبتِ.
ابتسمت وقلت له تنورني يا حبيبي أنت وابنك في أي وقت.. بس الجمعة دي أنا مسافرة دهب أقضي أسبوع هناك مع صحابي.. لما أرجع، ابقى تعالى ونورني.
حازم بص لي بذهول وفرحة في نفس الوقت.. مكانش متخيل إن أمه القديمة اللي كانت قافلة على نفسها الشقة ومبتخرجش غير للسوق، بقت ست تانية بتعرف تحب نفسها وتعيش حياتها.
تروحي وترجعي بالسلامة يا ست الكل.. تتهني يارب.
مشى حازم والولد الصغير وهو حاسس إن أمه رجعت له.. بس بنسختها الجديدة.. النسخة القوية اللي بتتحب وتحترم، مش اللي بتتساب على الرف.
قفلت الباب، وبصيت لنفسي في المراية اللي في الصالة.. كنت منورة، والضحكة راجعة لوشي.
نزلت شنطتي، وأنا مقتنعة تماماً إن التربية مش بس إنك تكبّر ابنك وتأكله وتجوزه.. التربية الحقيقية إنك تعلمه إزاي يحترم اليد اللي اتمدت له، وإن التضحية لو ملقيتش تقدير، بتبقى إهانة في حق النفس.. وأنا نفسي عليا عزيزة، والحمد لله إني فوقت قبل ما العمر يجري وميفضلش مني غير الحسرة.
شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!