ارملة ابنى حكايات اسما السيد 1

شفت مرات ابني الأرملة بتنزل من عربيتها وترمي شنطة تقيلة في الترعة… نزلت وسط الطين أطلعها، وفجأة سمعت صوت أنين خافت.
“هي ما رمتش الشنطة علشان تتخلص منها… هي رمتها علشان محدش يسمع اللي جواها!”
ولما فتحتها، اكتشفت السر الأبشع في حياتي.
الجزء الأول
“الشنطة دي ما اترمتش في الميه بالغلط… دي اترمت علشان محدش يسمع اللي جواها!”
دي كانت أول فكرة جت في بالي وأنا شايفة “ريم”، مرات ابني، بتنزل بسرعة من عربيتها السودا جنب ترعة الإسماعيلية.
كنت قاعدة قدام بيتي في قرية هادية على أطراف الإسماعيلية، وماسكة كباية شاي بردت بين إيديا، لما شفتها جاية بسرعة تثير التراب وراها.
من يوم ما ابني “أحمد” مات من تمن شهور، وريم تقريبًا اختفت من حياتنا. ولو كانت بتيجي، كانت بتيجي علشان ورق، أو فلوس، أو أي حاجة تقول إن أحمد “وعدها بيها”.
ولا مرة جت تقرأ له الفاتحة.
ولا مرة سألتني أنا عاملة إيه.
وأنا “أمينة”، ست عندي 64 سنة، اتعلمت أدفن وجعي جوايا وأسكت.
لكن اليوم ده… وش ريم ماكانش وش واحدة مكسورة على جوزها.
كان وش واحدة… بتهرب.
فتحت شنطة العربية الخلفية بعصبية، وطلعت شنطة سفر بنية جلد. عرفتها فورًا… دي نفس الشنطة اللي أحمد جابهالها بعد جوازهم لما سافروا شرم الشيخ.
كانت بتجرها ناحية الميه وهي كل شوية تبص حواليها بخوف، كأن حد بيراقبها.
صرخت من بعيد: — ريم!
ما بصتش ناحيتي حتى.
شفتها وهي بتاخد نفس قوي، وترجّح الشنطة بكل قوتها وترميها في الترعة.
صوت وقعتها كان تقيل… مرعب.
الشنطة فضلت طافية ثواني بسيطة، وبعدها بدأت تغرق ببطء.
ريم جريت بسرعة على عربيتها، وطلعت بأقصى سرعة من غير ما تبص وراها.
لحد النهارده معرفش جبت القوة دي منين.
نزلت أجري من البيت، وعدّيت الجنينة الصغيرة، وقلبي كان بيدق بعنف كأنه هيقف.
الميه كانت باردة والطين بيشد رجلي لتحت، لكن كان فيه صوت جوايا بيصرخ: “ما تسيبيهاش تغرق!”
ولما مسكت إيد الشنطة، حسّيت إنها تقيلة بشكل مرعب.
شدّيتها بكل قوتي لحد ما طلعتها على الشط.
وفجأة…
سمعت صوت.
خفيف جدًا.
زي أنين صغير.
زي نفس محبوس بالعافية.
إيديا كانت بتترعش وأنا بحاول أفتح السوستة المبلولة.
ولما اتفتحت أخيرًا…
حسّيت الدنيا كلها بتنهار فوق دماغي.
كان جوا الشنطة طفل رضيع ملفوف في بطانية زرقا مبلولة.
مولود لسه جديد.
جسمه كان بارد، وشفايفه مزرقة، وما بيتحركش.
الحبل السري مربوط بخيط عشوائي، كأنه اتولد في السر… من غير دكتور… من غير مستشفى… من غير حد يستقبله بحب.
همست وأنا ببكي: — لا… يا ساتر يا رب… لا…
شيلته بحذر وضمّيته لصدري، وحطيت خدي جنب مناخيره.
كان فيه نفس.
ضعيف جدًا…
بس فيه نفس.
جريت بيه على البيت أسرع من أي مرة جريت فيها في حياتي.
اتصلت بالإسعاف بإيد، وحضنته بالإيد التانية.
كنت بصرخ في التليفون وأنا بعيط: — الحقوني… طفل بيموت… بالله عليكم بسرعة!
المسعفة فضلت تقولي: — نشّفيه… غطّيه كويس… حاولي تدفيه…
ولما الإسعاف وصلت، المسعفين أخدوه من حضني بالعافية.
لكن أنا ركبت معاهم.
ماقدرتش أسيبه… حتى لو ماكانش حفيدي.
في المستشفى، ممرضة سألتني بصوت مرتبك: — مين اللي رمى الشنطة؟
بلعت ريقي بصعوبة وقلت: — مرات ابني… أنا شفتها بعيني.
بعدها بساعات وصلت الشرطة.
خلّوني أحكي كل حاجة من أول وجديد.
لكن أول ما قلت اسم ريم… الضباط بصوا لبعض بنظرات غريبة.
واحدة من الظباط، اسمها المقدم “ليلى”، قربت مني وقالت: — يا مدام أمينة… لازم نتأكد من حاجات كتير قبل ما نتهم حد.
بصتلها بعدم استيعاب. — نتأكد من إيه؟! أنا شفتها!
لكن الصدمة الحقيقية جات بعدها بساعات.
رجعت الظابطة وقالتلي حاجة خلّت الدم يتجمد في عروقي:
— فيه كاميرا مراقبة صوّرت عربية ريم في مكان تاني تقريبًا في نفس الوقت.
بقيت أبصلها وأنا مش قادرة أستوعب.
إزاي؟!
يعني أنا كنت بتخيل؟!
قالوا يمكن حزني على أحمد خلاني أشوف حاجات مش حقيقية.
قالوا يمكن كنت بدور على مذنب بأي طريقة.
لكن أكتر سؤال كسّرني فعلًا…
لما المقدم ليلى بصتلي مباشرة وقالت: — إنتِ كنتِ بتكرهي مرات ابنك… صح؟
وقتها حسّيت إن الكابوس الحقيقي لسه ما بدأش…
وإن السر اللي كنت على وشك أكتشفه… أخطر بكتير من مجرد طفل مرمي في شنطة…

