حكايات امانى السيد 2

نظر شريف إلى أمه المستديرة بوجهها عنه، ثم إلى حماه الصامت بصرامة، وأخيراً إلى سلوى التي كانت تبتسم ابتسامة قوة وثقة لم يرها فيها طوال خمس سنين.
أدرك شريف في تلك اللحظة أن الباب لم يُغلق فقط، بل هُدم الجسر تماماً، وأن رحلة الندم الطويلة قد بدأت للتو، بينما كانت هناك خطوات أخرى لـ ساندي في العمل تُطبخ على نار هادئة ستغير مسار كل شيء في الأيام القادمة.
وقع كملة “الخلع” على مسامع شريف كصعقة كهربائية شلت أطرافه. تراجع خطوة للخلف، ونظر إلى سلوى بذهول، وكأنه لا يصدق أن هذه المرأة الهادئة، التي كانت تطوع الأرض تحت قدميه ليرضى، هي نفسها التي تقف أمامه الآن بكل هذا الثبات وتعلن نهاية رحلتهما برغبتها هي، وبقوة القانون.
حاول أن يتكلم، لكن صوته خرج مخنوقاً ومتحشجاً:
“خلع يا سلوى؟ بتخلعيني أنا؟ عشان غلطة؟ عشان لحظة ضعف بني آدم لقى نفسه مشدود لطريق غلط وراجع منه بيبكي؟ مفيش فرصة واحدة عشان خاطر البنت؟”
ردت سلوى بنبرة باردة، تشبه برود الشتاء الذي يسكن قلبها:
“البنت ذنبها في رقبتك أنت يا شريف، مش في رقبتي. اللي بيحب بنته وبيخاف على شكلها قدام الناس، ميروحش يبيع أمها ويقول عليها (مكنة ونكد ومملة) عشان يبرر نزواته. الفرص دي بنديها للي بيغلط وهو شارينا، مش للي بيبيعنا بأرخص سعر ولما يترمي في الشارع يرجع يتسول عطفنا. القضية مشيت في طريقها، والكلام انتهى.”
التفت شريف إلى أمه بيأس، وصاح مستعطفاً:
“يا أمي.. قولي حاجة! ارحميني، أنا ابنك.. هتعملوا فيا إيه أكتر من كدة؟”
وقفت الأم، ونظرت إليه بعينين دامعتين، لكن ملامحها كانت صارمة وقاسية، وقالت:
“أنا قولت لك كلمتي يا شريف.. بيتك اللي هديته بإيدك ماليش وضع فيه، وسلوى بنتي قبل ما تكون مراتك، وإذا كانت هي اختارت كرامتها، فأنا كمان بختار الحق. اخرج برة يا ابني، وفوق لنفسك، وشوف السكة اللي اخترتها هتوصلك لفين.”
أدرك شريف أن كل الأبواب قد سُدت في وجهه. خرج من الشقة يجر أقدامه كالمحكوم عليه بالإعدام. نزل إلى الشارع، والظلام قد حل على المدينة، ولم يجد مكاناً يذهب إليه سوى شقته الفارغة.. الفندق الخمس نجوم “الذي كان يعيش فيه ببلاش”، كما قالت سلوى، ولكنه الآن فندق مهجور، بارد، وموحش.
في اليوم التالي، دخل شريف إلى الشركة وهو يشعر بثقل العالم فوق كتفيه. كان يحاول تجنب النظر إلى مكتب ساندي، لكن المفاجأة كانت بانتظاره. بمجرد دخوله، لاحظ همسات الزملاء ونظراتهم الموجهة إليه وإليها.
