خزلان حكايات امانى السيد 4

مرت الشهور الأولى بعد جولة النيابة، وكنت فاكرة إن الخطوة دي هي نهاية المطاف، لكن الحقيقة إن العدالة الإلهية كانت لسه بتبدأ ترتيباتها في السر. أحمد خرج من الحجز وراسه في الأرض، ورجع لشقة التجمع هو وأمه وأخته، بس مرجعوش لنفس الحياة اللي خططوا لها؛ رجعوا لبيت ملوش روح، مفيهوش حتة عفش واحدة تقعدهم مستورين، بيت فاضي على البلاط بيفكرهم كل ثانية بالندالة اللي عملوها.
في المقابل، حياتي أنا بدأت تتفتح زي الورد. نزلت شغلي بكامل طاقتي، ووشي رجع أنور وأجمل من الأول وكأن الحريقة دي كانت اختبار عشان تطهر حياتي من الخبيث وتخلي الطيب بس. كل اللي في الشغل كانوا بيبصولي بإنبهار وفخر بقوتي، وبدأت أسترد ثقتي في نفسي مية في المية.
وفي يوم، كنت قاعدة مع أختي في الشقة، وتليفونها رن.. كانت جارتنا القديمة في عمارة وسط البلد، الست أم مروان. أختي فتحت السبيكر، وجالنا صوت أم مروان وهي بتقول بنبرة فيها صدمة وشماتة في نفس الوقت: “يا بنات.. سألتوا على اللي جرى لأحمد وأهله؟”
أختي بصتلي وقالت: “لا يا طنط، إحنا قفلنا صفحتهم ومبنعرفش عنهم حاجة.. خير في إيه؟”
أم مروان شهقت وقالت: “خير؟ ده ربنا مبيسبش حق حد يا بنتي! مش أحمد ده كان شغال محاسب في شركة مقاولات كبيرة؟ أهم رفدوه وطردوه من الشغل الأسبوع اللي فات!”
قلبي دق بفضول وسألتها: “رفدوه ليه يا طنط؟”
ردت أم مروان: “أصل غيابه الأيام اللي كان محبوس فيها في الحجز خلى الإدارة تحقق وراه، ولما عرفوا بـ (جنحة التبديد) والفضيحة، والكلبشات اللي اتأخد بيها من الشارع، مدير الشركة قال إحنا مش هنشغل معانا واحد خاين للأمانة ومتبهدل في النيابة وسمعته في الأرض.. وطردوه من غير ما يدوله مليم مكافأة!”
أختي صقفت بإيدها وقالت: “يا فرج الله! ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.”
أم مروان كملت وهي بتدعي: “ولسه يا بنتي.. البواب عم محمد قالي إن أخته نهى، خطيبها عرف باللي عملوه معاكي وبقصة هربهم، ودخلة أخوها السجن، راح رامي لها الدبلة وفصخ الخطوبة وقايل لهم أنا مأمنش أناسب ناس بياعين وقليلي الأصل.. يعني الشمل اتشتت، والديون راكباهم من كل حتة بعد ما باعوا الدهب واستلفوا عشان يدولك حقك كاش!”
قفلت التليفون وأنا حاسة ببرودة ورضا ملوش مثيل في قلبي. أحمد اللي خاف من مصاريف علاجي وقال هعيش عمري كله مديون لمراتي المشوهة، بقى مديون لـ طوب الأرض، وخسر شغله، وخسر كرامته، وأخته اتفضحت.
معداش يومين على المكالمة دي، ولقيت رقم غريب بيرن على موبايلي في وقت متأخر بالليل. قلبي حس إنه هو، فتحت الخط ومبقتش بتكلم.. سمعت صوت نَفَس مخنوق، وبعدها صوت أحمد وهو بيبكي بحرقة وانهيار تام: “مدام.. أرجوكي ردي عليا، متقفيش السكة.. أنا بموت يا مدام.”
