بعد بكرا اول يوم عيد الاضحي 3

أمضيت بقية اليوم وأنا أتحرك في الشقة كأنني لا أعلم شيئاً، لكن عقلي كان يعمل كآلة لا تتوقف عن التفكير. تذكرت أن القانون لا يحمي المغفلين، لكنه بالتأكيد يحمي من يملك دليلاً مصوراً بصوت وصورة واضحة. اختفاء أصل عقد البيع والشراء المسجل في الشهر العقاري لا يلغي ملكيتي قانوناً، لأن النسخة الرسمية مسجلة في دفاتر الدولة، لكن سرقة حماتي للعقد كانت تعني شيئاً واحداً: إنها تخطط لخدعة مادية أو قانونية بالاتفاق مع شخص آخر، مستغلة جهلها بالقوانين، أو ربما تريد إخفاء العقد لتدفع حسام لإنكار البيع تحت ضغطها.

في تمام الساعة الثامنة مساءً، عاد حسام من عمله. كان يبدو عليه الإرهاق، لكنه ابتسم بمجرد أن رآني. استقبلته كالعادة، وجهزت له طعام العشاء. وبينما كنا نتناول الطعام، خرجت حماتي من غرفتها بملامح هادئة للغاية، بل وجلست معنا على الطاولة وبدأت تتحدث بنبرة ودودة مصطنعة قائلة:

* “تسلم إيدك يا إنجي يا بنتي، الأكل طعمه جميل.. ربنا يخليكي لينا ويهدي سركم”.

نظر إليها حسام بفرحة وارتياح شديدين، وظن أن الأزمة انتهت تماماً وأن أمه رضخت للأمر الواقع. نظر إليّ وكأنه يشكرني بعينيه على طريقتي وهدوئي. أما أنا، فكنت أنظر إلى حماتي وأرى خلف قناع الود هذا وجهاً ثعبانياً يتربص بي، فبادلتها الابتسامة بابتسامة أشد منها بروداً وقلت:

* “بالهنا والشفا يا طنط، ده واجبنا.. البيت بيتك في الأول والآخر”.

انتهى العشاء، ودخلت حماتي غرفتها. انتظرت حتى دخلت أنا وحسام إلى غرفتنا وأغلقت الباب بالمفتاح القديم الذي أصبحت أعلم أن لها نسخة منه. التفتت إلى حسام، وقبل أن أتحدث، أخرجت هاتفي وفتحت تطبيق الكاميرات، ووضعت الشاشة أمام عينيه مباشرة دون مقدمات.

بدأ الفيديو يشتغل.. رأى حسام والدته وهي تتسلل إلى غرفتنا، وتخرج مجموعة المفاتيح، وتفتح الباب، وتدخل لتسرق الورقة ثم تخرج ملامحها تشع بالانتصار.

تسمر حسام في مكانه، وتحولت ملامحه من الارتياح إلى الصدمة والذهول، ثم إلى غضب عارم جعل عروق رقبته تبرز بشكل مخيف. كاد أن يصرخ واندفع نحو الباب ليخرج إليها، لكنني أمسكت بذراعه بقوة وثبات، وقلت له بصوت منخفض وحازم:

* “اثبت مكانك يا حسام.. الصراخ دلوقتي مش هيفيد، لو دخلت عليها هتنكر، أو هتقولك الورقة مش معايا وأعلى ما في خيلكم اركبوه، أو ممكن تقطع الورقة وتضيع حقنا في معرفة هي ناوية تعمل بيها إيه بالظبط”.

تنفس حسام بصعوبة وقال وهو يحاول كتمان غيظه: “أمي بتسرق يا إنجي؟! بتسرق عقود من أوضتي؟! دي مابقتش أمي.. دي بقت حد غريب أنا مش عارفه! هي عايزة تخرب بيتي بأي طريقة؟! قوليلي اعمل إيه.. أنا دمي بيغلي!”.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!