الورث ندى الجمل 2

هنا خدت نفس عميق، وحاولت تداري الرعشة اللي في إيديها وهي بتضم ليلى لحضنها جامد. ليلى رفعت راسها وبصت لأمها ببراءة:
— “ماما.. عمو سيف وراني المتاهة، بس هو كمان ميعرفش يحلها؟”
كلمة “عمو سيف” نزلت على هنا زي الصاعقة. بصت لسيف اللي كان واقف زي الجبل، ملامحه مابتقولش أي حاجة، بس عينيه كانت بتقرا كل حركة بتعملها كأنه بيقرا كتاب مفتوح.
سيف شاور بإيده لداليا شريف. داليا قربت بسرعة، وعينها مش جاية في عين هنا من الكسوف والخوف. سيف قال بصوت واطي وصارم:
— “خدي ليلى على المكتب جوه.. خلي معاها حراسة، ومحدش يقرب منها أو يضايقها.”
هنا اتفضت وحاولت تمنعهم:
— “لأ! بنتي مش هتمشي من جنبي!”
سيف قرب خطوة واحدة، وبقى واقف قدامها مباشرة. الريحة بتاعته، نفس البرفيوم القوي اللي مالتفتش بيه من سنين، اخترق حواسها. قال بنبرة هادية بس ترعب:
— “بنتك في أمان جوه أكتر من برا يا هنا. بره فيه حراسة وفيه أمن دولة بيفتشوا عن البلاغ اللي إنتي عملتيه. لو عايزة تخرجي معاها دلوقتي وتتحققي في سين وجيم، اتفضلي. لو عايزة تحميها.. سيبي داليا تاخدها.”
هنا بكت بصمت، وبصت لداليا نظرة عتاب طويلة، وبعدين مالت على ليلى وهمستلها:
— “روحي مع طنط داليا يا ليلى.. أنا هنا مش هسيبك.”
ليلى هزت راسها ومشيت مع داليا وهي ماسكة شنطتها البنفسجي، والمطعم كله كان بيراقب المشهد في ذهول.
أول ما الباب الداخلي اتقفل على ليلى، سيف التفت لهنا، وسحب كرسي من الترابيزة رقم ٧ وشاورلها تقعد:
— “اقعدي.”
هنا مقعدتش. فضلت واقفة، مبلولة من المطر، وبتترعش من البرد والخوف. وقالت بحدة مكتومة:
— “عايز مني إيه يا سيف؟ أنا سبتلك كل حاجة واختفيت.. سبتلك الإمبراطورية والفلوس والبلد كلها.. رجعت لورايا تاني ليه؟”
سيف قعد ببرود، وسند إيديه على الترابيزة، وبص للمنديل اللي عليه المتاهة:
— “أنا المرة دي ما دورتش عليكي يا هنا.. إنتي اللي جيتي لحد عندي. البلاغ المجهول عن القنبلة اتعمل من خط تليفون مسجل باسم شركة شحن وهمية.. شركة أنا عارف إنك كنتي بتديريها من تلات سنين في الإسكندرية تحت اسم مستعار.”
هنا اتصدمت إن سيف كان عارف خط سيرها، بس حاولت تتماسك:
— “أنا ماعملتش بلاغ تشتيت عشان أصلح غلطة.. أنا كنت بهرب.. فيه ناس بتطاردني يا سيف، ناس من طرف عمك “عادل الدمنهوري”!”
سيف أول ما سمع اسم عمه، عينيه ضيقت والبرود اللي فيهم اتحول لشرار:
— “عمي عادل مات من سنتين.”
هنا ضحكت بمرارة ودموعها نازلة:

