تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ4

أخذتُ الحقيبة، وأمسكتُ بيدها وسحبتها خلفي نحو باب الغرفة:

“لن ننتظر هنا حتى يأتي. سنذهب إلى المكان الوحيد الذي لا يستطيع نفوذه ولا رجاله مسّنا فيه.. سنذهب إلى قسم الشرطة الرئيسي، ومعنا العقود، وسنقدم بلاغاً فورياً باختطاف الأستاذ عادل والاستيلاء على أملاككِ.”

خرجنا من الفندق مسرعين، والتوتر يملأ الأجواء. ركبنا أول سيارة أجرة صادفتنا، وطلبتُ من السائق التوجه بأقصى سرعة إلى مديرية الأمن.

طوال الطريق، كنتُ أنظر من النافذة الخلفية متوقعاً أن أرى سيارات أبيها تطاردنا في شوارع عمّان. كانت أنفاسي متقطعة، ويدي تشد على يدها التي بدأت حرارتها تعود إليها تدريجياً كأنها تستمد الأمان مني.

وصلنا إلى بناية المديرية الضخمة. نزلنا ودخلنا مسرعين عبر البوابة الأمنية. شعرتُ لأول مرة منذ أسابيع ببعض الراحة؛ هنا لا يمكن لأبو راشد أن يفرض قوته.

توجهنا إلى مكتب الضابط المناوب. جلستُ وجلستْ بجانبي وهي تحاول إخفاء جسدها ممتلئ القوام الذي كان يرتجف خلف عباءتها.

نظرتُ إلى الضابط وقلت بحسم:

“سيدي.. أنا المواطن أنور، وجئتُ لأبلغ عن ج*ريمة تزوير، واحتجاز شخص، وتهديد بالق*تل.. وضد رجل أعمال معروف.”

رفع الضابط رأسه ب اهتمام، وأخذ قلمًا وورقة وقال: “تفضل.. ما هو الاسم، وما هي الأدلة؟”

وقبل أن أنطق بالحرف الأول.. انفتح باب المكتب بقوة، ودخل عسكري التحية العسكرية، وتبعه رجل يرتدي بدلة سوداء أنيقة، يفوح منه عطر ثقيل، وعيناه تنضحان بشر مستطير.

كان “أبو راشد”.

دخل وبيده ملف أسود، ونظر إليّ وإلى ابنته بابتسامة باردة هزت أركان الغرفة، ثم التفت إلى الضابط وقال بنبرة هادئة وواثقة كأنه صاحب المكان:

“أهلاً سيادة الرائد.. أعتذر على المقاطعة، لكنني جئتُ لأستلم ابنتي، ولأقدم بلاغاً رسمياً ضد هذا الشاب الذي يقف أمامك.. بتهمة ابتزازي وسرقة وثائق شركاتي ليلاً.”

توقفت الأنفاس في الغرفة، ونظرتُ إلى “أبو راشد” والملف الأسود في يده، وشعرتُ للحظة أن الأرض تهتز تحت قدمي. التفت الضابط إلينا بملامح جادة، وبدأ يوازن بين هيبتي وهيبة رجل الأعمال النافذ الذي يقف أمامه بكل ثقة.

قال أبو راشد وهو يضع الملف على مكتب الضابط:

“سيادة الرائد، هذا الشاب استغل حاجة عائلتي لستره، وتزوج ابنتي بالأمس فقط، واليوم تسلل مع محامٍ مرتشٍ لسرقة وثائق وتزوير عقود لنقل أملاكي باسمه.. والآن يختبئ خلف جدران مركزكم ليظهر بمظهر الضحية.”

نظرتْ زوجتي إلى أبيها، ولأول مرة رأيت الرعب في عينيها يتحول إلى شيء آخر.. شيء يشبه الغضب المكبوت لسنوات. وقفت ببطء، وتخلت عن انكماشها خلف العباءة، ونظرت في عيني أبيها مباشرة وقالت بصوت مسموع ومليء بالثبات:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!