حكايات امانى السيد 2

“يعني أنا كنت مجرد صورة؟ كنت مجرد واحدة بتملأ مكانها في حياتك عشان تكمل اللي بدأته معاها؟”
بص في الأرض، وبعد فترة طويلة من السكوت، قال بصوت مكسور:
“مكنتش عايزك تعرفي.. مكنتش عايزك تتألمي، بس الاسم ده.. الاسم ده كان أخر حاجة ربطتني بيها قبل ما تروح، وكان لازم أوفيه.”
“انتي فاهمة غلط يا أماني.. فاهمة كل حاجة غلط. أنا عمري ما اتمنيت بنت غير عشان أوفي بوعد قطعته لـ (تيته) الله يرحمها. رباب ده مش اسم حبيبة قديمة، ده اسم ست الحبايب اللي ربتني وشالتني من وأنا لسه عيل صغير، اللي كانت كل دنيتي قبل ما الدنيا تاخدها مني.”
اتجمت في مكاني، الكلمات نزلت عليا زي التلج اللي طفى النـ,ـار اللي كانت جوايا. كمل وهو بيقرب مني وعيونه كلها ندم:
“تيته (رباب) كانت دايماً بتقولي: ‘يا أحمد، لو خـ,ـلفت بنت، سميها على اسمي عشان تفضل سيرتي عايشة في بيتك’. أنا مكنتش عارف إزاي أقولك، كنت خايف تقولي إن الاسم قديم، أو إنك مش حباه، ففضلت ساكت ومصمم عشان ده كان عهدي لها. الورقة دي؟ دي كانت مجرد ورقة كتبتها وأنا لسه شاب صغير، بكتب فيها كل أحلامي لتيته اللي كانت بتشجعني.”
بصيت للورقة اللي في إيدي تاني، وقريتها بتركيز.. فعلاً، كان مكتوب بخط إيد مراهق: “أنا وتيتا رباب، هنبني حياتنا سوا”، الكلمة كانت مكتوبة بطريقة تدل على ارتباط طفل بجدته، مش علاقة غرامية زي ما نهى كانت حابة توهمني.
حسيت ببركان من المشاعر؛ خجل من شكوكي، وراحة غسلت قلبي من وجع استمر أيام، وفي نفس الوقت غـ,ـضب مكتوم من “نهى” اللي حاولت تدمر بيتي بكلمتين مسمومين عشان تغيظني وتكـ,ـسر فرحتي.
مسحت دمـ,ـوعي، وبصيت لأحمد اللي كان مستني نظرة سماح مني، وقلت بصوت هادي:
“ليه يا أحمد مكنتش صريح معايا من الأول؟ ليه سيبتني أحس إني بديلة لواحدة تانية؟”
قرب مني وخد الورقة من إيدي وقال:
“كنت خايف.. خايف نظرتك ليا تتغير، وخايف أكون بفرض عليكي حاجة تضايقك. كان غباء مني إني مكنتش صريح، بس أرجوكي.. صدقيني، رباب دي هتكون أغلى ذكرى لجدتي، وأغلى هدية ليا منك.”
في اللحظة دي، حطيت إيدي على بطني، وحسيت بنتي بتتحرك.. “رباب” مبقتش بالنسبة لي اسم غريب، ولا ذكرى وجع، بقيت حاسة إنها روح جديدة هتربطني ببيت جوزي وأهله أكتر. بس في نفس الوقت، عرفت إن الدرس اللي اتعلمته قاسي.. إن البيوت مابتتبنيش غير على الصراحة، وإن الشك لو دخل، ممكن يهد كل حاجة لو مفيش حقيقة توقفه.
قعدنا سوا في هدوء، والبيت كان لسه بيلملم جراحه بعد العاصفة اللي مرت علينا. كان أحمد لسه ماسك الورقة في إيده، وعيونه فيها لمعة حـ,ـزن وأمل في نفس الوقت. حسيت إن ده الوقت المناسب عشان أفتح قلبي وأحط النقط على الحروف، عشان ميبقاش بينا أي حاجة مخبية.
بصيت له وبدأت أتكلم بصوت هادي بس ثابت:
“أحمد، أنا كان لازم أعرف الحقيقة، لأن الكلام اللي سمعته مكنش سهل أبداً. نهى أختك جتلي من كام يوم، وكلامها كان زي السم اللي دخل في حياتنا، هي اللي فهمتني إن ‘رباب’ دي حبيبتك القديمة، وإنك لسه عايش على ذكراها، وإن الاسم ده كان عهد بينكم.”
أحمد اتجمد في مكانه، وملامح وجهه اتحولت من الهدوء للذهول، وبعدها للغـ,ـضب المكتوم. شد على إيده وهو بيسمعني، وكأنه مش مصدق إن أخته ممكن توصل للدرجة دي.
كملت وأنا بفرك إيدي من التوتر:
“مش بس كدة، ده هي كانت بتقولي الكلام ده بنبرة فيها شماتة، وكأنها كانت مستمتعة وهي بتشوفني بتـ,ـكسر. أنا عشت أيام من الجحيم، كنت براجع كل كلمة، وكل لحظة، وكل نظرة حب منك، وكنت بحولها في خيالي لتمثيل، وبقيت حاسة إن بنتي اللي في بطني مجرد وسيلة لإحياء قصة حب قديمة.”
أحمد ساب الورقة من إيده وقام وقف، كان بيتمشى في الغرفة بعـ,ـصبية، وأخيراً وقف قدامي وحط إيده على كتفي:
“نهى؟ هي اللي قالتلك كدة؟ هي اللي حطت في دماغك كل الأفكار دي؟”
هزيت راسي بالإيجاب، والـ,ـدموع بدأت تلمع في عيني تاني. أحمد أخد نفس عميق وحاول يهدأ:
“أنا عارف إن نهى طول عمرها بتغير مني ومن استقراري، وعارف إنها دايماً بتحاول تتدخل في تفاصيلنا، بس إنها توصل للدرجة دي؟ إنها تحاول توقع بيننا وتخليكي تشكي في مشاعري تجاهك وتجاه بنتنا؟ ده اللي مش ممكن أعديه.”
حسيت إن الحمل اللي كان على قلبي بدأ يخف، وإن أحمد فعلاً حاسس بالوجع اللي مريت بيه. سألته:
“هتعمل إيه يا أحمد؟ أنا مش عايزة مـ,ـشاكل، بس أنا مش قادرة أتعامل معاها تاني وهي بتعمل فينا كدة.”
بص لي بنظرة كلها حزم:
“يا أماني، أنا هحط حد لكل ده. مش هسمح لأي حد، مهما كان مين، إنه يهد حياتنا أو يزرع الشك بيننا. نهى لازم تعرف حدودها، ولازم تفهم إن بيتنا ده خط أحمر.”
في اللحظة دي، حسيت إن الثقة اللي كانت مهددة بالانهيار، بدأت تتبني من جديد، بس على أساس أقوى.. أساس الصراحة والمواجهة.
