تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ4

تجمدتُ في مكاني، ووقعت الحقيبة التي كانت بيدي على الأرض. شعرتُ وكأن الهواء سُحب من الغرفة دفعة واحدة، والصورة البديلة التي رسمناها مع عادل تبخرت في ثوانٍ.
أسرعتُ نحوها وأمسكتُ بكتفيها محاولاً تهدئتها:
“ماذا تعنين بأنه لم يركب الطائرة؟ عادل قال إنه اتصل به من المطار!”
قالت وعيناها تلمعان بدموع الرعب:
“قبل دقائق، اتصل السكرتير الخاص به على الهاتف الأرضي للغرفة.. كان يبحث عنك وعن أبي. قال إن الأمن في المطار استدعى أبي قبل صعوده إلى الطائرة مباشرة بسبب مراجعة طارئة لأوراق إحدى شحنات الاستيراد والتصدير.. أبي الآن في طريقه إلى مكتب الأستاذ عادل، لأنه يعلم أن الملفات الأصلية للشحنات هناك!”
“المحامي!” صرختُ بفزع.
التقطتُ هاتفي وتصلتُ بالأستاذ عادل فوراً. رن الهاتف مرة.. مرتين.. ثم جاءني صوته يلهث ويرتجف بشكل غير طبيعي:
“أنور! لا تأتِ إلى المكتب.. أبو راشد هنا! لقد وصل فجأة ومعه رجاله، وهو يفتش الخزنة الآن.. لقد كشف كل شيء، وعرف أنني أخرجتُ الملف الأصفر.. أنور، اهرِب أنت وزوجتك.. اهرِ…”
انقطع الخط فجأة، وتلاه صوت ضوضاء وجلبة، ثم ساد الصمت.
نظرتُ إلى الهاتف بذهول. لقد انتهى كل شيء. عادل سقط، والملف الأصفر الذي يمثل نجاتنا أصبح في يد أبو راشد الآن. لم يعد هناك قانون يحمينا، ولا وقت للتخطيط. الرجل الذي يهابه الجميع في عمّان قادم إلينا لا محالة، ومعه كل نفوذه وغضبه.
التفتُّ إلى زوجتي. كانت ترتجف بالكامل، وسقطت على ركبتيها وهي تبكي بنحيب مكتوم:
“س يق*تلني.. هذه المرة سينهي حياتي فعلاً.. لقد تسببتُ في تدميرك وتدمير والدتك معي.”
نظرتُ إليها، ووجدتُ نفسي في تلك اللحظة أتجاوز كل مشاعر الخوف. تذكرتُ أمي وجهاز الأكسجين، وتذكرتُ هذه الفتاة التي عاشت حياتها كلها ضحية في مسرحية قذرة. لم أعد ذلك الشاب الفقير المستسلم الذي يرضى بالفتات مقابل سكوته.
انحنيتُ نحوها، وأمسكتُ بيدها بقوة، وجعلتها تقف على قدميها. نظرتُ في عينيها بحدة وقلت:
“ارفعي رأسك.. لن يلمسكِ أحد وأنا حي. لقد وافقتُ على هذا الزواج لأحمي أمي، والآن سأكمله لأحميكِ أنتِ أيضاً. أبو راشد يظن أنه يملك كل شيء لأننا كنا نخاف منه.. لكنه نسى شيئاً واحداً.”
“ماذا؟” سألتني وهي تمسح دموعها بذهول.
قلت وأنا أستجمع كل شجاعتي:
“نسى أن النسخة التي وقعتُ عليها في مكتب عادل.. النسخة المعدلة التي تحذف ديونه وتمنحنا الصلاحيات الكاملة.. موجودة معي هنا في هذه الحقيبة! عادل أرسل النسخة المزيفة لهاتف أبي، لكن العقد الحقيقي الموقع بيني وبين المحامي كشاهد رسمي ما زال في يدي.. وأبي راشد لا يعلم ذلك.”
