بعد ثلاثة أشهر اسما السيد، 2

في صباح يوم الخميس، وأثناء تواجدي في عملي الصغير بشركة الشحن البسيطة التي أعمل بها كمحاسبة، دخلت عليّ السكرتيرة بوجه شاحب وقالت بنبرة مرتبكة:

— أستاذة ياسمين… في واحد بره عايز حضرتك، ورفض يقعد في صالة الانتظار… شكله مهم أوي ومعاه شنطة دبلوماسية.

انقبض قلبي فورًا. وقفت وضبطت ملابسي وقلت لها بصوت حاولت جعله ثابتًا:

— خليه يدخل.

دلف إلى المكتب رجل في الخمسينيات من عمره، يرتدي بدلة رسمية أنيقة، ويحمل في ملامحه صرامة أهل القانون. تقدم نحوي بخطوات واثقة ومد يده:

— أستاذة ياسمين؟ أنا الأستاذ رفعت الشافعي، المحامي الخاص بالأستاذ أدهم الشامي.

شعرت برعشة خفيفة في أطرافي، لكنني لم أمد يدي لمصافحته، بل أشرت له إلى المقعد ببرود:

— اتفضل اقعد يا أستاذ رفعت. خير؟ أدهم باعك ليا ليه؟ مكنش قادر ييجي بنفسه؟

جلس المحامي وهندم وضعيته، ثم فتح حقيبته وأخرج منها ملفًا سميكًا وضعه على المكتب أمامي وقال بنبرة هادئة ومحايدة:

— الأستاذ أدهم يمر بظروف نفسية وعائلية معقدة جدًا في الوقت الحالي، وهو يعلم تمامًا حجم الخطأ الذي ارتكبه في حقك قبل ست سنوات. هو لا يريد مواجهات شخصية قد تزيد الأمور تعقيدًا… لذلك كلفني بإنهاء هذا الأمر بشكل قانوني يحفظ حقوق الجميع.

نظرت إلى الملف ولم ألمسه:

— حقوق مين بالظبط؟ آدم ملوش حقوق عند أدهم، وأدهم ملوش أي صفة في حياة آدم.

تنحنح المحامي وقال:

— أستاذة ياسمين، دعينا نتحدث بلغة العقل والمصلحة. هذا الملف يحتوي على إقرار رسمي بالبنوة موثق من الأستاذ أدهم، وطلب مقدم للمحكمة ومصلحة الأحوال المدنية لتعديل شهادة ميلاد الطفل “آدم” ليحمل اسم والده ثلاثيًا وفوريًا. بالإضافة إلى عقد ملكية لشقة سكنية فاخرة في كومباوند شهير مسجلة باسم آدم، ووديعة بنكية مغلقة بمبلغ ضخم لا يحق لأحد التصرف فيها إلا لآدم عند بلوغه السن القانوني، مع التكفل بكافة مصاريف دراسته في أرقى المدارس الدولية.

ضحكت بصوت مسموع، ضحكة مليئة بالتهكم والغضب:

— وايه المقابل يا سيادة المستشار؟ أدهم مش راجل كريم للدرجة دي عشان يدفع كل ده من غير ثمن. عايز إيه؟

هبط المحامي بنبرة صوته وقال بحذر:

— المقابل هو “حق الرؤية والاستضافة”. الأستاذ أدهم يريد أن يرى ابنه بانتظام، يومين في الأسبوع، وأن يقضي معه الإجازات الرسمية. هو يريد أن يعوضه… ويريد أن يكون له دور في تربيته.

شعرت بالدم يغلي في عروقي. وقفت من وراء مكتبي ونظرت إلى المحامي بعينين متسعتين من الغضب:

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!