بعد ثلاثة أشهر اسما السيد، 2

نظرت إلى آدم وهو يجلس على الأرض يركب مكعباته الصغيرة ويغني بصوت خفيض. كان يبدو مرتاحًا، سعيدًا، بريئًا من كل قسوة هذا العالم.
— آدم مش محروم من حاجة يا أدهم. آدم عنده أم بتحبه ومستعدة تموت عشانه، وده بالدنيا كلها. الفلوس اللي بتعرضها دي عشان تريح ضميرك أنت مش عشان تسعد آدم. والمدرسة اللي هو فيها أنا دافعة مصاريفها من شقايا وعرقي، ولقمته حلال ومفيش فيها منّة من حد.
— ياسمين… أنا أبوه! الدم اللي في عروقه ده دمي!
هنا، شعرت بنار الغضب تشتعل في صدري من جديد، فقلت بصوت حاد ومنخفض حتى لا يسمعني الصغير:
— الأبوة مش كلمة في شهادة ميلاد يا أدهم، ولا حيوان منوي في لحظة عابرة. الأبوة هي السهر، والتعب، والخوف، والمصاريف، والمسؤولية. الأبوة هي لما كان بيبكي من وجع سنانه بالليل وأنا بلف بيه الشوارع ومفيش معايا تمن الكشف. أنت كنت فين وقتها؟ كنت بتشتري ساعتك اللامعة وبدلتك الغالية؟ أنت مش أبوه… أنت مجرد غلطة في حياتي، وأنا صححتها لما قررت أربيه لوحدي.
وقبل أن ينطق بكلمة أخرى، قفلت الخط في وجهه. ولم أكتفِ بذلك، بل قمت بـ “بلوك” لرقم غيره، تمامًا كما فعل معي قبل ست سنوات. شعرت بانتصار صغير، لكنه انتصار مغلف بمرارة قديمة لا تزول.
في المساء، وبينما كنت أعد لآدم سريره، اقترب مني وجلس بجانبي، ونظر إلي بعينيه الواسعتين اللتين تشبهان أدهم بشكل صارخ، وقال ببراءة:
— ماما… هو بابا مسافر في بلد بعيدة أوي؟
توقف قلبي للحظة. مسحت على شعره الأسود الناعم وقلت بصوت مخنوق:
— آه يا حبيبي… بعيدة أوي.
— طب هو مش بيتوحشنا؟ مش نفسه يشوفني؟
ابتسمت بمرارة، وقبلت يده الصغيرة:
— هو في مكان ميعرفش يرجع منه يا آدم… بس أنا هنا معاك، ومش هسيبك أبدًا.
احتضنني الصغير ونام في أحضاني، بينما بقيت أنا ساهرة أنظر إلى السقف، أتساءل إن كانت هذه هي النهاية، أم أن عاصفة أدهم لم تنتهِ بعد…
## الجزء الرابع
مرت ثلاثة أسابيع على ذلك اللقاء العاصف أمام المدرسة. ثلاثة أسابيع وأنا أعيش في حالة من التأهب الدائم، ألتفت حولي في كل مكان، أراقب الوجوه والسيارات المارة، خوفًا من أن يظهر أدهم فجأة من خلف أي زاوية ليخطف ابني أو يحاول الحديث معه مجددًا. لكنه اختفى تمامًا، ولم يعد يتصل من أرقام غريبة، وظننت – لبعض الوقت – أن كبريائه منعه من العودة، أو أن انشغاله بانهيار بيته قد ألهاه عنا.
لكنني كنت مخطئة… فالرجل الذي يتملكه الذنب والخوف على صورته أمام نفسه لا يستسلم بسهولة.
