حكايات اسما السيد 1

آدم قام من مكانه. مشي بثبات لحد ما وصل للمسرح، استلم شهادته، وسلم على المديرة. وفي المدارس اللي من النوع ده، الطالب الأول بيكون ليه حق يلقي كلمة التخرج نيابة عن زمايله.

المديرة قربت منه المايك، وابتسمت وقالت: “اتفضل يا آدم، القاعة كلها بتسمعك.”

آدم مسك المايك. بص على الورقة اللي في إيده، والناس كلها سكتت مستنية خطبة التخرج التقليدية عن الطموح والمستقبل. لكن آدم طبق الورقة وحطها في جيب بدلته.

بص مباشرة على الصف الأول. على أبوه ومراته. داليا كانت لسه رافعة التليفون وبتسجل.

آدم قرب من المايك، وبصوت جهوري، هادي ومسموع في كل ركن في القاعة، قال:

“أنا اسمي آدم مريم السيوفي.”

القاعة كلها سكتت سكوت مفاجئ. داليا نزلت التليفون ببطء، ورامي ملامحه اتجمدت.

آدم كمل وهو عينه بتتحرك من الصف الأول وبتروح لآخر القاعة، مكاني أنا:

“الاسم اللي مكتوب في شهادتي مش هو اللي صنعني. اللي صنعتني هي الست اللي واقفة هناك دي… في آخر القاعة، عند باب الخروج.”

في اللحظة دي، مئات الرؤوس في القاعة لفت كلها ببطء وبدأت تبص ورا. الكاميرات اللي كانت موجهة للمسرح، لفت وصوبت عدساتها وفلاشاتها عليا أنا وفستاني الأزرق الرخيص.

آدم كمل في المايك، وصوته بدأ يرعش بس بقوة:

“الست اللي واقفة ورا دي، اشتغلت شيفتات إضافية في العيادات عشان أدخل المدرسة دي. خيطت هدوم للناس بالليل عشان تدفعلي تمن الكتب. الست دي هي اللي خلتني راجل، وهي اللي علمتني إن السيوفيين ما بيركعوش غير لربنا. وعشان كده… أنا مش هلقي خطبتي وأنا شايف أمي واقفة على رجليها في آخر الصالة عشان في ناس فاكرة إن الكراسي بتتشري بالفلوس.”

آدم نزل المايك من على حامل المسرح، وبحركة سريعة ومفاجئة، نزل من على السلالم.

ساب المديرة، وساب المدرسين، ومشي في الممر الواسع اللي في النص.

وهو ماشي، عدى على الصف الأول. رامي حاول يمد إيده يمسكه ويقوله: “آدم، إنت بتعمل إيه؟ الفضايح دي؟”

لكن آدم وداير وجهه عنه تمامًا، ولا كأنه شايفه. عدى من جنب داليا اللي وشها بقى أصفر زي الليمونة من الصدمة والإحراج قدام مجتمعها اللي بتهتم بيه.

آدم كان بيمشي بخطوات سريعة وواسعة في الممر، والشهادة في إيده، لحد ما وصل عندي في آخر القاعة.

وقف قدامي.

كانت دموعه نزلت خلاص.

رفع إيده وحط قبعة التخرج الزرقا على راسي أنا، وحط الشهادة في إيدي، ووطى باس راسي قدام العيون دي كلها، وقال بصوت عالي سمعه كل اللي حوالينا:

“مبروك التخرج يا أمي… الشهادة دي بتاعتك إنتي، وإنتي اللي مكانك قدام الكل.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!