ملك إبراهيم 3

وفي يوم.. يوسف الصغير تعب فجأة بالليل، وسخن جداً. مروة كانت بتعيط بهستيرية ومش عارفة تتصرف، والحاجة أمينة نزلت تجري على السلم وهي بتصرخ. أول ما نزلت الشارع، أدهم فتح باب عربيته وجري عليها: “في إيه يا أمي؟! مروة فيها حاجة؟!”
أمينة بدموع: “يوسف يا أدهم.. الولد صرصار ف إيدينا وسخن نار ومش عارفين نعمل إيه!”
أدهم مأخدش ثانية تفكير، طلع جري على السلم، ودخل الشقة من غير استئذان. مروة أول ما شافته كانت هتعترض، بس أدهم زق كل الخلافات ورا ضهره، وقرب من السرير وشال يوسف براحة وبحنان رهيب، وضم جسمه الصغير لصدره وقال لمروة بنبرة قوية خلتها تطمن غصب عنها: “البسي بسرعة يا مروة.. مفيش وقت للكلام، الولد لازم يروح المستشفى حالا.”
مروة من كتر خوفها على ابنها وافقت، ونزلت معاه. طول الطريق في العربية، أدهم كان سايق بأقصى سرعة، وإيده التانية كانت لفت لورا وماسكة إيد مروة اللي كانت بتترعش وهي حاضنة البيبي. النظرة اللي في عين أدهم مكنتش نظرة رجل أعمال.. كانت نظرة أب مرعوب على حتة من قلبه.
وصلوا المستشفى الخاص، والدكاترة استقبلوهم فورا بأمر من أدهم. بعد ساعتين من القلق، الدكتور خرج وابتسم: “الحمد لله.. دي مجرد سخونية عادية بتيجي للأطفال في السن ده، عدينا مرحلة الخطر والولد نايم جوه وزي الفل.”
مروة قعدت على الكرسي في الممر وهي بتتنفس الصعداء، ودموعها نازلة من الفرحة. أدهم قرب منها، ووقف قدامها، ومسك إيدها براحة وقال بصوت هادي ماليان حب: “أنا عمري ما هأذيكي يا مروة.. أنا مستعد أتنازل عن كل أملاكي باسم يوسف وباسمك، وأعيش معاكم في الشقة الصغيرة دي لو ده هيريحك.. بس متحرمنيش أكون جنبه وجنبك.”
مروة بصت لأدهم، ولأول مرة، شافت في عينيه الراجل اللي حبته زمان.. الراجل اللي مستعد يهد الدنيا عشانها. بدأت دفاعاتها تنهار، بس لسه في خطوة واحدة أخيرة فاصلة بين الوجع.. والرجوع.
مروة بصت لأدهم والدموع لسه مغرقة عينيها، سحبت إيدها براحة وقامت وقفت قدامه. النظرة اللي في عينيها مكنتش ضعف، كانت نظرة ست بتحط شروط كرامتها لآخر مرة: “أنا مش عايزة أملاكك يا أدهم، ولا فلوسك تهمني في حاجة.. أنا عشت معاك تلات شهور في الأول ومكنتش أعرف حجم ثروتك كام ولا كان يفرق معايا. اللي يفرق معايا هو الأمان.. الراجل اللي يشاركني حياتي لازم كلمته تكون أقوى من أي ورق، وثقته فيا تتهدش قدام أول ريح.”
أدهم هز راسه بصدق وكلامه طلع من كل قلبه: “حقك.. وعمري ما هلومك على الكلمة دي. أنا اتعلمت الدرس بأصعب طريقة ممكنة يا مروة، والشهور اللي عشتيها في عذاب، أنا عشتها في ضلمة ألعن منها. بوعدك قدام ربنا.. عمري ما هسمح لمخلوق يدخل بيننا تاني، وإنتي ويوسف ه تكونوا فوق الكل.”
