ملك إبراهيم 3

مرت ثلاثة أيام كاملة على ليلة المستشفى المشئومة. في فيلا التجمع الخامس، كان الهدوء القاتل يسيطر على المكان، هدوء يسبق العاصفة. أدهم العزبي لم يذق طعم النوم، كان يجلس في مكتبه وعيناه حمراوان من أثر السهر والتفكير، والسيجارة لا تنطفئ بين أصابعه.
على مكتبه، كانت تقبع ثلاثة أشياء: التقرير الطبي المزور، والتقرير الحقيقي، وملف كامل عن تحركات شقيقته سلمى خلال الثمانية أشهر الماضية.
الباب دُق بخفة، ودخل المحامي الخاص بأدهم، وبدت عليه علامات التعب: “أدهم بيه… كل الأوامر تنفذت. حسابات سلمى هانم اتجمدت بالكامل، والفيلا اللي باسمها اتعمل عليها حظر بيع. أما بخصوص الدكتور اللي زور التقرير الأولاني…”
أدهم رفع عينيه الحادتين وقال بصوت رخيم ممتلئ بالوعيد: “جرى له إيه؟”
المحامي بلع ريقه بصعوبة: “اعترف بكل حاجة أول ما عرف إن عيلة العزبي هي اللي وراه. قال إن سلمى هانم دفعته له 2 مليون جنيه عشان يغير النتيجة ويثبت إنك عقيم. التقرير المزور كان جاهز قبل ما مروة تيجيلك الشركة بيوم واحد… يعني سلمى هانم كانت عارفة إن مروة حامل، وخططت لكل حاجة عشان تطردها قبل ما السر ينكشف.”
أدهم قبض على يده بقوة لدرجة أن قلمه الرصاص انكسر لنصفين بين أصابعه. الضغينة التي شعر بها تجاه شقيقته في تلك اللحظة تغلبت على صلة الدم. التفت للمحامي وقال ببرود مرعب: “ارفع عليه قضية تزوير وشطب من النقابة، مش عايز أشوفه برة السجن. أما سلمى… سيبها من غير مليم، خلّيها تدوق طعم الحوجة اللي عاشت فيها مروة بسببها.”
ثم وقف أدهم، وعدّل ياقتها قميصه وقال: “ومروة؟ وصلتوا لمكانها؟”
المحامي هز رأسه بأسف: “مروة ذكية يا فندم. سابت الصيدلية اللي كانت شغالة فيها، ومستأجرتش في نفس منطقتها. وأمها الحاجة أمينة سابت شغلها في البيوت وغيّروا أرقام تليفوناتهم. لكن رجالتي بيراقبوا كل الصيدليات والمستشفيات الحكومية في القليوبية والقاهرة، لأن البيبي أكيد هيحتاج تطعيمات ومتابعة، ومروة ملهاش دخل غير مهنتها كصيدلانية.”
في هذه الأثناء، في شقة صغيرة وجافة في حي “شبرا الخيمة”، كانت مروة تجلس على سرير خشبي قديم، تضم يوسف إلى صدرها وهي ترضعه. الشقة كانت تخلو من أي مظاهر الرفاهية، لكنها كانت نظيفة وديناميكية بدفء أمها الحاجة أمينة التي كانت تطبخ في المطبخ الصغير.
مروة كانت تنظر لوجه يوسف، والدموع تحجرت في عينيها. كانت تسمع صوت أدهم في كل مكان، نظرة الانكسار التي رأتها في عينيه بالمستشفى كانت تطاردها في أحلامها، لكن كبرياءها وجرحها كانا أقوى من أي حنين.
