بابا حكايات امانى السيد 2

محمود لقى نفسه بليل، ورجله واخداه لمكان مكنش يتخيل إنه هيرجع له وهو مكسور كدة.. وقف قدام باب الشقة القديمة، الشقة اللي عايّر سعاد بفقرها وجدرانها الباهتة. طلع المفتاح بإيد بترعش، وفتح الباب.
أول ما دخل، ريحة الشقة هجمت عليه؛ ريحة بخور سعاد، ريحة الأكل اللي كان بيتعمل بحب، ريحة “ستر” كانت مغطية عليه وهو مش حاسس. قعد على الكنبة المتهالكة اللي كان بيقول عليها “كركوبة”، وحس إنها أحنّ عليه من كل عفش بيته الجديد الغالي.
محمود (بيكلم نفسه وهو بيبص للفراغ):
ـ “كان معاك الحق يا سعاد.. الجدران دي مش بهتانة، الجدران دي كانت شايلة حكاياتنا.. كانت شايلة صبري عليكي وصبرك المر على جبروتي. أنا اللي كنت أعمى، افتكرت إن الراحة في الحيطان الجديدة والوشوش الملونة، ما عرفتش إن الراحة كانت في القلب اللي بيستحمل واللقمة اللي بتتقسم بالرضا.”
غمض عينيه وهو بيفتكر صوت سعاد وهي بتنادي عليه عشان ياكل، ويقارنه بصوت مراته الجديدة اللي مبيطلعش غير بالطلبات والخناق. حس إن الشقة دي هي المكان الوحيد اللي لسه فيه “محمود القديم” قبل ما الغرور يركبه.
محمود (بندم وحسرة):
ـ “يا ريتني ما فتحت عيني على الدنيا يا سعاد.. يا ريتني فضلت في ‘الخرابة’ دي وأنتي منورة ضلمتها، بدل ما أسكن قصر وبقى قلبي هو الخرابة.”
نام على الكنبة بدموع حارقة، ولأول مرة من شهور يحس إنه عايز ينام بجد، بعيد عن مشاكل بيته الجديد وطلبات كامله على صفحتى قصص وروايات أمانى نهى اللي مش بتخلص. نام وهو بيتمنى لو يصحى يلاقي كل اللي فات ده كابوس، ويلاقي سعاد واقفة في المطبخ بتجهز له الفطار بابتسامتها اللي “راحت عليه” وما قدرش يحافظ عليها.
بعد مرور شهور فى المستشفى كان يوم ولادتها
كانت بتتواصل مع ابوها من باب صله الرحم
وقتها الكل كان حاضر محمود وإسماعيل وياسين وسعاد منتظرين اول مولود
المستشفى كانت مليانة بحس الفرحة، “أمل” ولدت وقامت بالسلامة، والممر كله كان مليان بضحكات “ياسين” اللي مش سايعه الكون من الفرحة، وهيبة “الحاج إسماعيل” اللي واقف كأنه هو الجد الفعلي والمستند الحقيقي للكل.
في نص الزحمة دي، كانت سعاد واقفة زي “الهانم”، شايلة حفيدتها بضحكة صافية، وشها منور ومرتاح، ولابسة طقم شيك يليق بمقامها الجديد كزوجة للحاج إسماعيل. كانت بتتحرك بخفة وسلام داخلي، كأن الوجع اللي عاشته كان مجرد حلم بعيد.
وفي ركن بعيد، واقف محمود.
حاضر بجسمه بس، هدومه باهتة زي ملامحه، ووشه اللي كان بيطق جبروت بقى مطفي، وعينيه غايرة من قلة النوم والنكد اللي عايشه مع مراته الجديدة. كان واقف “غريب” وسط أهله، الكل بيسلم عليه ببرود وتأدية واجب، والكل عينه على سعاد وإسماعيل اللي منورين المكان.
محمود (بصوت واطي وهو بيبص لسعاد من بعيد):
ـ “مبروك يا سعاد.. تتربى في عزكم.”
سعاد لفت وبصت له، بس المرة دي مكنش فيه في عينيها لا كره ولا شمــ,,ـاتة، كان فيه “شفقة”.. شفقة على راجل ضيع الجنة بإيده عشان يشتري نــ,,ـار.
سعاد (بهدوء وثبات):
ـ “الله يبارك فيك يا محمود.. عقبال ما تفرح بأولادك التانيين.”
الكلمة نزلت عليه كأنها سكيــ,,ـن، هو عارف إن مفيش “أولاد تانيين” ولا فيه “فرح” في بيته الجديد اللي دخله النكد من أول يوم. مشي محمود وخرج من المستشفى بخطوات تقيلة، ماشي لوحده في الشارع وهو سامع صدى صوته القديم: “أنتي كركوبة وراحت عليكي يا سعاد”.
بص للسما والدموع في عينيه، وعرف إن اللي “راحت عليه” فعلاً هو اللي خسر الستر والأصل. وفي اللحظة دي، كانت سعاد في الأوضة بترضع حفيدتها، والحاج إسماعيل بيحط إيده على كتفها ويقولها:
ـ “نورتي دنيتي يا سعاد.. ربنا يبارك لنا في العوض الجميل ده.”
تمت. الكاتبه امانى سيد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!