سواق أبويا حكايات اسما 1

طردني أبويا يوم ما اتجوزت السواق بتاعه… وبعد 8 سنين جه يشوف أحفاده لأول مرة، وأول ما شافهم صرخ: “إزاي ده حصل؟!”
الجزء الأول
طول سبعة وعشرين سنة…
بيت أبويا كان ليه قوانين لكل حاجة.
إيه الشوكة اللي تاكل بيها.
إيه المدارس اللي تليق باسم العيلة.
مين ينفع نصاحبه…
ومين حتى ماينفعش نقف معاه خمس دقايق.
لكن أهم قانون في البيت…
كان مين يحق له يحب بنته.
وأنا…
كسرت القانون ده.
كان ليام شغال سواق عند أبويا بقاله ست سنين.
كان حافظ كل طريق…
وكل بوابة…
وكل مواعيد رجال الأعمال.
لكن أكتر حاجة شدتني فيه…
إنه كان أول راجل يبصلي كإنسانة…
مش كجزء من ثروة أبويا.
لما قررنا نتجوز…
وقفت قدام أبويا في السفرة.
وليام واقف جنبي بنفس البدلة الكحلي اللي كان بيلبسها وهو بيسوقه كل يوم.
قلت بهدوء:
“إحنا هنكتب كتابنا الأسبوع الجاي.”
أبويا ضحك.
ضحكة هادية…
بس مليانة احتقار.
وقال:
“مستحيل تدخل الراجل ده العيلة دي.”
بصيت له وقلت:
“اسمه ليام.”
رد من غير حتى ما يبصله:
“لا…
ده ليه مكانه…
ومكانه مش هنا.”
الجملة دي…
أنهت كل حاجة.
في نفس الليلة…
لميت هدومي.
وتاني يوم…
بطاقتي البنكية اتقفلت.
وأبويا لغى كل الحسابات اللي باسمي.
ولما رجعت آخد باقي حاجتي…
الخدامة قالتلي وهي مكسوفة:
“البيه قال محدش يفتحلك البوابة.”
خرجت…
ومارجعتش.
عدى سنة…
ورا التانية…
ورا التالتة.
ولا مرة رن تليفونه.
ولا سأل عليا.
ولا يوم ولدت ابني.
ولا لما بنتي دخلت العناية المركزة ست أيام.
ولا لما كنت بشتغل بالنهار…
وأذاكر تمريض بالليل…
وليام يشتغل شيفتات زيادة عشان نصرف على البيت.
كان واقف جنبي في كل لحظة…
بينما أبويا…
اختار يعتبرني ميتة.
لكن أكتر وقت كان بيوجعني…
في أعياد الميلاد.
لما أولادي يسألوني:
“هو ليه عندنا جد واحد بس في الصور؟”
وماعرفش أرد.
لحد يوم الأحد اللي فات.
وقفت عربية سودا قدام بيتنا الصغير.
نزل منها أبويا.
كان أكبر في السن.
وشعره كله شاب.
وفي إيده كيس هدايا فضي.
وقف ليام جنبي.
وقبل ما ألحق أقول للأولاد يدخلوا…
جروا على الباب.
أبويا بص على ابني.
وبعدين بص على بنتي.
وفجأة…
وشه كله اتغير.
إيده ارتعشت.
وكيس الهدايا وقع على السلم.
وبص ليا وهو بيصرخ:
“إزاي ده حصل؟!”
وقفت مكانى مستغربة.
لكن لما عرفت هو شاف إيه في وش الأطفال…
فهمت ليه كل الثقة اللي عاش بيها عمره…
انهارت في ثانية واحدة.
فضل أبويا يبص في وش الولدين…
مرة لابني…
ومرة لبنتي…
وكأنه شاف شبح.
همس وهو بيترجع خطوة:
“مستحيل…”
بصيت له باستغراب.
قلت:
“في إيه؟”
لكن هو كان باصص على عيونهم.
على نفس لون العينين…
ونفس الغمازة…
ونفس ملامح العيلة اللي كان دايمًا بيتباهى بيها.
قال بصوت مكسور:
“دول… شبه أمي.”
سكتنا كلنا.
حتى ليام ما نطقش.
أبويا كان مقتنع طول السنين دي إن ليام أكيد اتجوزني عشان الفلوس.
وإن أولادنا عمرهم ما هيكونوا من “مستوانا” زي ما كان بيقول.
لكن الحقيقة اللي كانت قدامه دلوقتي…
إن الأطفال واخدين ملامح عيلته أكتر مني أنا شخصيًا.
بنتي قربت منه بابتسامة بريئة.
وقالت:
“إنت جدو؟”
اتجمد مكانه.
ولأول مرة في حياتي…
شفت دموع في عين أبويا.
مد إيده يلمس شعرها…
لكنها بصتلي الأول.
كأنها بتستأذن.
هزيت راسي بالموافقة.
مسك إيدها…
وقعد على ركبته.
وقال بصوت مخنوق:
“أنا… أنا آسف.”
لكن الاعتذار ماكانش ليا.
كان لنفسه.
لثماني سنين ضيعهم من عمره.
دخل البيت لأول مرة.
بص حواليه.
أثاث بسيط…
شقة صغيرة…
لكن مليانة صور وضحك.
وقف قدام صورة كبيرة ليا أنا وليام يوم التخرج من كلية التمريض.
وسأل باستغراب:
“إنتِ خلصتي دراسة؟”
ابتسمت.
وقلت:
“اشتغلت الصبح… وذاكرت بالليل.”
بص على ليام.
“وإنت؟”
ابتسم ليام وقال:
“بقيت مدير شركة النقل اللي كنت بسوق فيها.”
رفع أبويا حاجبيه من الدهشة.
كان فاكر إننا هنفشل.
لكن الحياة اختارت تثبت له العكس.
وقبل ما يتكلم…
رن تليفونه.
رد بسرعة…
لكن وشه اصفر فجأة.
وقفل المكالمة وهو بيبص ليا.
وقال:
“أنا محتاج أقولكوا الحقيقة…
في حاجة مستخبيّة عنكم من يوم ما طردتك.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!