كنت متطوعة حكايات رومانى مكرم 2

كريم مد إيده ومسك إيدي براحة، المرة دي ممانعتش بس مسكتش فيها بقوة.. كنت محتاجة وقت.
بص في عيني وقال:
“سارة.. أنا حجزت جناح في فندق قريب من المطار عشان ترتاحي فيه من سفرك، وأنا هقعد في غام تانية. مش هضغط عليكي في أي حاجة، بس مش هسيبك لوحدك في المحنة دي. أهلك مش هيسيبوكي في حالك بعد اللي حصل لمنى.”
مشيت معاه بخطوات هادية وإحنا خارجين من المطار. الشمس كانت بدأت تطلع، بتنور شوارع القاهرة وتعلن عن بداية يوم جديد.. يوم ملوش أي علاقة بحياتي القديمة.
وصلنا الفندق، ودخلت غرفتي. رميت نفسي على السرير بتعب السنين كله، وقفلت تليفوني تماماً عشان أهرب من مكالمات أمي وأبويا. نمت لساعات طويلة بدون أحلام، ولما صحيت بالليل، فتحت الموبايل.. لقيت رسالة واحدة من رقم غريب، بس أول ما قريت الكلام، عرفت صاحبها فوراً.
الرسالة كانت من حسام منصور، ومكتوب فيها:
“منى حالياً في النيابة، وأبوكي وأمك بيحاولوا يبيعوا العفش والشقة عشان يسددوا الفلوس ويحموها من السجن. اللعبة انتهت يا سارة، وحقك رجعلك وزيادة.. بس الخطوة الجاية بتاعتك إنتِ وكريم.. يا ترى الحكاية هتقف لحد هنا؟”
الرسالة كانت بتلمع في ضلمة الأوضة، وكلام حسام منصور كان بيلخص نهاية مأساة عيلة كاملة دمرت نفسها بنفسها عشان الجشع.
قمت من السرير، وقفت قدام شباك الفندق الكبير اللي بيبص على شوارع القاهرة وأنوارها. حسيت بنسمة هوا باردة، كأنها بتغسل من جوايا كل الوجع والخيانة اللي عشتهم في الكام يوم اللي فاتوا. أهلي اللي باعوا بنتها عشان المظاهر، بقوا بيبيعوا شقتهم وعفشهم عشان ينقذوا أختي من السجن.. لفت الأيام، والفلوس اللي خانوني عشانها، بقت هي نفس السوط اللي بيلسع ضهرهم.
فتحت الباب وخرجت للردهة، لقيت كريم قاعد في صالة الفندق تحت، باصص للأرض وواضح عليه إنه منامش طول الليل. أول ما شافني نازلة، وقف بسرعة وقرب مني، وعينه فيها ألف سؤال ورجاء.
بصيت له بهدوء وقلت:
“الحكاية خلصت يا كريم. منى في النيابة، وأهلي بيدفعوا تمن طمعهم.”
كريم نزّل راسه وقال بصوت مخنوق:
“وأنا مستعد أدفع أي تمن تطلبيه يا سارة.. بس نبتدي من جديد.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، بس كانت ابتسامة حد عرف قيمته كويس. مسكت شنطتي وقلتله:
“إحنا مش هنبتدي من جديد يا كريم.. على الأقل مش دلوقتي. إنت ضعفت، واللي بيضعف مرة قدام أول اختبار، ممكن يتهز في التاني. أنا مش زعلانة منك، ومش كرهالك، بس أنا محتاجة أرجع لكينيا.. محتاجة أرجع لشغلي، للمكان اللي عرفت فيه قيمتي الحقيقية بعيد عن الفلوس والمظاهر الكدابة. هسافر بكره.”
