حكايات مشيرا احمد 2

غادرتُ مقر شركة “غونيش القابضة” وأنا أشعر أن الأرض لا تسعني من الفرحة، وفي نفس الوقت، كان عقلي يكاد ينفجر من شدة التفكير. “إمرة” عاد، وبأكثر الطرق غير المتوقعة!

في المساء، كنت أجلس في غرفتي بإسطنبول، أتأمل الشهادات التي سهرت الليالي لأحصل عليها. لم أستطع النوم طوال الليل، وكنت أترقب الصباح بفارغ الصبر.

في اليوم التالي، ارتديت ملابس رسمية أنيقة، وذهبت إلى الشركة. تسلمت مكتبي الجديد في قسم إدارة المشاريع. الأجواء كانت مشحونة بالعمل، والجميع يتحركون بسرعة وكفاءة. حاولت التركيز بكل طاقتي لأثبت أنني أستحق هذا المكان بجدارتي، وليس لأي سبب آخر.

مرت الساعات الأولى بسلام، حتى حانت فترة الاستراحة. وبينما كنت واقفة أمام آلة القهوة أجمع أفكاري، اقتربت مني سكرتيرة المكتب الرئيسي وقالت بابتسامة عملية:

“الآنسة…؟ السيد إمرة يطلب رؤيتك في مكتبه الآن.”

تسمرت في مكاني لثوانٍ. نظرات الموظفين القريبين منا جعلتني أشعر بالتوتر مجدداً. أومأت برأسي، وأخذت نفساً عميقاً، ثم صعدت إلى الطابق الأخير حيث يقع مكتب المدير التنفيذي.

طرقت الباب بخفة، وأتاني صوته الرخيم: “ادخل.”

فتحت الباب ودخلت. كان المكتب واسعاً جداً، بواجهات زجاجية تطل على سماء إسطنبول الساحرة. كان إمرة يقف خلف مكتبه الفخم، يراجع بعض الأوراق. عندما رآني، وضع القلم جانباً وأشار لي بالدخول.

“أهلاً بكِ في يومكِ الأول. كيف تجدين العمل حتى الآن؟” سأل بنبرة رسمية تماماً، مما جعلني أشعر ببعض الراحة.

أجبت بثقة: “كل شيء ممتاز، النظام هنا رائع والفريق متعاون جداً، سيد إمرة.”

ابتسم ابتسامة خفيفة عندما سمع كلمة “سيد إمرة”، ثم تحرك من خلف مكتبه واقترب خطوات. تغيرت نبرته فجأة لتصبح أكثر دفئاً:

“سيد إمرة؟ حسناً، في العمل لا بأس بذلك. لكننا الآن بمفردنا.”

نظرت إليه وقلت محاولة الحفاظ على هدوئي: “إمرة.. أنا ممتنة جداً للفرصة، لكنني حقاً أريد أن أثبت نفسي هنا بعملي فقط. لا أريد أن يظن أحد…”

قاطعني بهدوء وهو يرفع يده: “أعلم تماماً ما تفكرين به. ولهذا السبب بالذات، طلبتكِ هنا لأمر رسمي.”

التفت وسحب ملفاً أنيقاً من فوق مكتبه ومدّه إليّ قائلاً:

“هذا هو المشروع الجديد للشركة في مدينة ‘إزمير’. إنه إعادة تطوير للمنطقة القديمة التي نشأنا فيها. كنت أبحث عن شخص يمتلك الكفاءة، وفي نفس الوقت يفهم روح ذلك المكان وناسه. ولم أجد أفضل منكِ لتكوني مسؤولة عن هذا الملف.”

نظرت إلى الملف ثم إليه، ولمعت عيناي بالدهشة. إزمير؟ المكان الذي شهد طفولتنا وفراقنا؟

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!