فرح أختي حكايات ندى الجمل 2

حبست الأنفاس في الغرفة، وتعلقت العيون بأمي التي كانت تقف كالقاضي الذي بيده حبل المشنقة أو طوق النجاة. سألها أحمد بصوت متقطع ونبرة يملأها الرجاء: “إيه هو الشرط يا حماتي؟ أنا موافق على أي حاجة!”

نظرت أمي إلى أحمد وقالت بكل حسم: “شرطي إنك تطلق ندي حالا، وتتنازل لها عن الشقة اللي كنتوا هتتجوزوا فيها بكامل محتوياتها كتعويض عن الفضيحة والكسرة اللي عيشتوها لها يوم فرحها، وتاني حاجة.. تاخد أمك وتختفوا من المحافظة دي كلها، مش عايزه أشوف وشك ولا وشها في البلد هنا تاني.. تبيعوا المحلات، تصفوا الشغل، وتغوروا من هنا. لو وافقت، الورق ده هيفضل مدفون، وأمك هتقضي اللي باقي من عمرها المشلول في بيتها مش في السجن، وأنت هتحمي مستقبلك.”

لم يتردد أحمد لثانية واحدة؛ انحنى ووقع على ورقة الطلاق والتنازل التي كانت أمي قد أعدتها مسبقاً مع محاميها دون علمنا، وغادر الشقة مطأطأ الرأس، مكسوراً ومسحوباً من كبريائه الزائف، ليلحق بأمه التي نالت جزاءها من جنس عملها، وانتهت أسطورة قوتها بالشلل والهروب.

التفتت أمي بعد ذلك إلى أبي، الذي كان يبكي ويدعوها للغفران، ويترجاها أن تعود إليه بعد أن ظهرت حقيقتها كإمرأة حديدية حمت العائلة لسنوات. نظرت إليه أمي بنظرة لم يكن فيها كره، بل كان فيها زهد كامل، وقالت: “يا إبراهيم، أنا عشت معاك 25 سنة صاينة بيتك وسرك، لكن أنت بعتني في ثانية عشان تحمي نفسك من وهم وخوف. الطلاق اللي نطقته في الميكروفون قدام المعازيم كان نهاية قصتنا.. أنا مش هرفع عليك قضايا، والبيت ده هيفضل لبناتي، لكن أنت ملوش مكان هنا.. اخرج يا إبراهيم، ودور على حياتك بعيد عننا.”

خرج أبي وهو يجر أذيال الخيبة والندم، بعد أن خسر كل شيء في ليلة واحدة بسبب جبنه.

أغلقت أمي الباب خلفه، والتفتت إلينا، وضمتني أنا وأختي إلى صدرها بقوة. وفي تلك اللحظة، خيم على البيت هدوء حقيقي لأول مرة منذ سنوات.. هدوء الانتصار، واسترداد الكرامة، وبداية حياة جديدة قوامها الصدق والقوة، بعد أن انطوت صفحة الماضي المزيفة إلى الأبد.

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!