حكايات زهره الربيع 3

محمود صرخ بعلو صوته من القهر:
“يا دينا.. أنا عارف إنك سامعاني! عشان خاطر البنت.. بلاش الفضايح دي، أنا مستعد أطلقك حالاً وأمضي على كل الشروط، بس أمي تخرج.. والله العظيم أمي ما تستحمل تبات ليلة واحدة في السجن، ارحمي شيبتها!”
أخدت الموبايل من إيد طارق، وضغطت على كل وجعي وقلت له بنبرة جامدة مفيهاش أي رقة:
“ارحم شيبتها؟ وهي مَرحمتش وجعي ليه وأنا لسه خارجة من بنج العمليات؟ مرَجمتش ضعفي وقلة حيلتي ليه لما سحبت فلوس أبويا المتوفي؟ محمود.. أنت جاي تساومني على طلاقي مقابل حرية أمك؟ طلاقي ده أنا هاخده بقوة القانون وغصب عنك، وأمك هتسيبوها في السجن لحد ما القانون ياخد مجراه.. أنا مش هتنازل يا محمود، ولو ركعت تحت رجلي، حق أبويا وحق كسر نفسي في المستشفى مش هسيبه.”
قفلت السكة في وشه، وحسيت بنشوة انتصار غريبة.. لأول مرة بحس إن الضعيفة اللي كانت بتستأذن في لقمة العيش بقيت هي اللي بتمشي الأمور.
مرت تلات أيام، وحماتي فايزة بايتة في الحبس الاحتياطي على ذمة التحقيق. المحاميين بتوعها حاولوا بكل الطرق يقدموا طلبات إخلاء سبيل بكفالة، بس المحضر كان متقفل صح بالشهود من المستشفى وإشعار التحويل البنكي اللي بيثبت التوقيت والواقعة ونوع البصمة. محمود كان زي المجنون، بيلف في الشوارع، خسر وظيفته بسبب غيابه وجريه ورا الأقسام، وبقى شكله زي الشحاتين بعد ما كان بيتنطط عليا ببدلته وشياكته.
في اليوم الرابع، طارق جالي الأوضة وكان معاه المحامي بتاع عيلتنا، وفي إيده شنطة جلد سودا. قعد وقال وعيونه بتلمع بذكاء:
“دينا.. محمود برة على البوابة.. جاي ودموعه على خده، ومعاه المأذون والورق كله جاهز.. امبارح بالليل كلمني وطلب الستر، وأنا قولتله مفيش كلام إلا لما تيجي لحد عندنا وتنفذ شروطنا بالمليم.”
بصيت لطارق ولقيت المحامي بيطلع الورق ويفرده على الترابيزة:
“يا مدام دينا.. ده صك تنازل من محمود عن الشقة بكل محتوياتها باسمك وباسم بنتك (عزّة) كتأمين لمستقبلها، وده إقرار موثق في الشهر العقاري بدفع مؤخر الصداق كامل فوراً ونفقة شهرية للبنت تضمن لها عيشة كريمة، وقبل ده كله.. دي قسيمة الطلاق جاهزة على الإمضاء.”
قلت له وعيني على عزّة اللي نايمة في سريرها:
“والمحضر بتاع أمّه؟”
طارق ابتسم وقال:
“المحضر مش هتنازل عنه إلا لما محمود يمضي ويوثق كل ورقة، والطلاق يتم طلاق بائن لا رجعة فيه.. وبعدها، هخلّي المحامي يقدم طلب تنازل عن الشق المدني عشان أمّه تخرج بكفالة وتعيش بقية عمرها مكسورة العين، وكل ما تبص في وش ابنها تفتكر إن بجاحتها وطمعها هما اللي خربوا بيته وضيعوا شقته وفلوسه.”
