طلاق بنتى زهره الربيع 2

لمحة نيوز
شريف قام وقف زي المجنون، دموعه نازلة على وشه زي المطر، وزعق بصوت كله وجع: “تضحي بمين؟! وتخاف على مين؟! هي تفتكرني إيه؟ ندل للدرجة دي؟ أبيعها في تعبها؟! ده أنا شارب المر عشانها، وكنت مستعد أبيع عمري كله وفوقيه صحتي عشان أشوف ضحكتها! دي مراتي، حبيبتي، أم ابني!”
وفي ثواني، شريف ساب البيت ونزل جري على السلم، وأنا وراه. ركبنا العربية وطار بيها على بيتي. دخل البيت زي الإعصار، فتح باب الأوضة على ندى اللي كانت قاعدة بتأكل ابنها يوسف.
أول ما شافته، وقفت مصدومة والتليفون وقع من إيدها. شريف مجراش عليها يلومها، هو جري عليها وأخدها في حضنه.. حضن قوي كأنه بيقفل عليها جوه ضلوعه عشان يحميها من الدنيا ومن المرض. وفضل يبكي ويقولها: “بقى بتبيعيني يا ندى؟ بتهيني كرامتي عشان تمشي وتسيبيني؟ فاكراني هعيش إزاي من غيرك؟ لو الدكاترة قالوا مفيش أمل، أنا أملي في ربنا كبير، ولو العلاج بملايين، هشتغل ليل نهار، وهبيع روحي عشان تبقي معايا.. إحنا دخلنا البيت ده سوا، وهنحارب المرض ده سوا، يا نعيش سوا يا نموت سوا!”
ندى في الأول حاولت تقاوم وتزقه وهي بتبكي وتقول: “امشي يا شريف.. متضيعش نفسك معايا.. سيبني في حالي.” لكن شريف مسبهاش، فضل متبت فيها لحد ما قواها انهارت واستسلمت لحضنه، وبكت البكا اللي كان مكبوت جوه قلبها من شهور، بس المرة دي مكنش بكا قهر.. كان بكا راحة، لقت السند اللي كانت فاكرة إنها لازم تبعد عنه عشان تحميه.
من اليوم ده، حياتنا اتغيرت تماماً.. شريف رجع ندى لعصمته فوراً، وأصر إنها تقعد معايا في بيتي عشان نكون إحنا الاتنين بنخدمها وواخدين بالنا منها ومن ابنها يوسف خلال رحلة العلاج. شريف باع عربيته اللي بيمشي بيها، وأخد قرض كبير، وبدأنا رحلة الكيماوي.
كنت بشوف بنتي وشعرها بيقع، وجسمها بيضعف، لكن روحها كانت قوية بوجود جوزها اللي مكنش بيفارقها لحظة، كان بيقعد تحت رجليها يغسلها، ويشيلها لما تتعب، ويضحك في وشها ويقولها: “إنتي قمر في كل حالاتك يا ندى.. وبكره تخفي وترجعي تنوري بيتنا.”
وأنا؟ أنا اتعلمت درس عمري.. اتعلمت إن البيوت أسرار، وإن الظاهر دايماً خداع، وإن الست اللي بتطلب الطلاق أو بتتصرف تصرف غريب، وراها وجع وحكاية ميعلمش بيها إلا ربنا. اتعلمت إن الكلمة الطيبة صدقة، وإن القسوة مبيجيش منها غير الندم اللي بياكل في الصدر زي النار. بقيت خدامة تحت رجلين بنتي، بدعي لها في كل سجدة، وبستغفر ربنا على كل لحظة ظلمت فيها الملاك ده.
وبعد سنة كاملة من العذاب، والمستشفيات، والعمليات، والدعاء اللي مكنش بيقطع من لساني ولسان جوزها.. جه اليوم اللي دخلنا فيه على الدكتور عشان نستلم نتيجة آخر مسح ذري.
الدكتور بص في الورق، وابتسم ابتسامة وسعت الدنيا كلها، وقالنا: “مبروك.. المريضة ندى رأفت تغلبت على المرض تماماً، والتحاليل سلبية، ومفيش أي أثر للخلايا الخبيثة.. دي معجزة من عند ربنا!”
شريف سجد في الأرض في مكتب الدكتور وهو بيبكي ويشكر ربنا، وأنا أخدت بنتي في حضني وفضلنا نعيط، بس المرة دي دموع فرحة.. دموع نصر.
ورجعت ندى لبيتها، مع جوزها اللي صانها وباع الدنيا عشانها، وابنها اللي كبر وبقى مالي عليهم الدنيا. وأنا قعدت في بيتي، وحيدة بس مرتاحة البال، ببص لصورة أبوها الله يرحمه وبقوله: “أمانتك صنتها يا رأفت.. بعد ما كنت هكسرها بجهلي، ربنا نجدني ونجدها، وبنتك طلعت بطلة، وجوزها طلع ابن أصول مفيش منه اتنين.”
وعرفت إن الحب الحقيقي والتضحية هما اللي بيشفوا المريض، وإن العيلة الحنينة هي السند اللي بجد في الدنيا دي.
