شوكولاتة حكايات رومانى مكرم 2

صوت البواب في الأسفل كان يتردد صداه في المنور، بينما العين الجاحظة وراء شيش النافذة لا ترمش، والأنفاس الكريهة تتصاعد لتخنق هواء الغرفة. خلفي مباشرة، كان مقبض الباب يتحرك بعنف جنوني، وصوت المفتاح يلتوي داخل القفل بقوة توشك على كسر الحديد.

فجأة، انطفأت أنوار الشقة بالكامل. حل ظلام دامس لم يقطعه سوى وميض شاشة هاتفي الذي بدأ يهتز في يدي.

كانت مكالمة فيديو… من مروان.

فتحت الخط بلا وعي، ورفعت الهاتف أمام وجهي. ظهرت شاشة الهاتف مقسمة إلى نصفين؛ في النصف الأول كان مروان يجلس في سيارته، وجهه شاحب كالموتى، وعيناه متسعتان من الرعب وهو يصرخ: “ندى! أنا سامع صوت البواب تحت وهو بيصرخ باسمي، بس أنا لسة مدخلتش الشارع أصلاً! أنا شايف عربيتي واقفة تحت البيت وأنا لسة واصل أول الشارع!”

وفي النصف الثاني من شاشة مكالمة الفيديو… رأيت نفسي!

أو بالأحرى، رأيت الكاميرا الأمامية لهاتفي وهي تعرض ما خلفي. كان هناك ظل أسود ضخم، يمتد من ناحية النافذة المطلة على المنور، وبدأ يتشكل ببطء على هيئة جسد بشري يقف وراء ظهري تماماً.

التقطت أذني صوت همس خافت يأتي من هاتفي، لكنه لم يكن صوت مروان، بل كان صوت مدام سوسن، كأنها اخترقت المكالمة أو أن الهاتف لم يعد ملكاً لي: “الشوكولاتة مكانتش علبة واحدة يا ندى… أنا بعت علبتين. واحدة ليكي… وواحدة لمروان في مكتبه…”

سقط الهاتف من يدي على الأرض، ووجهه للأعلى يضيء الغرفة المظلمة بزاوية مائلة.

في تلك اللحظة، تحطم قفل الباب الخشبي بعنف، واندفع الباب مفتوحاً.

وقف على العتبة مروان… بملابس الخروج التي قال إنه نزل بها في السابعة صباحاً، وعلى وجهه ابتسامة هادئة باردة. التفتُّ برعب نحو النافذة، فإذا بالشيش ينفتح ببطء، ليدخل منه مروان آخر… ببيجامته التي كان يرتديها في المطبخ قبل قليل.

الكيانان يملكان نفس الملامح، نفس الطول، ونفس الصوت.

تقابلت أعينهما فوق رأسي، وبدآ يتحركان نحوي في نفس اللحظة، بينما صرّات أسنان مروان الحقيقي -أو من أظنه حقيقياً- بدأت تأتي من الشارع الأسفل وهي تقترب من باب الشقة الخارجي.

خطا الاثنين خطوة متزامنة نحوي، وانحنيا معاً ليلتقطا الهاتف من على الأرض، وتحدثا في نفس الثنائية المرعبة بصوت واحد متطابق:

“ندى… قولي لنا… مين فينا اللي أكل الشوكولاتة؟”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

تراجعت خطوة إلى الخلف حتى التصق ظهري بالحائط. كنت محاصرة بين “مروان” الواقف عند الباب بملابس خروجه الأنيقة، و”مروان” الآخر الواقف عند النافذة ببيجامته المنزلية. الإضاءة المنبعثة من شاشة الهاتف الملقى على الأرض كانت تسلط الضوء على وجهيهما… وجهان متطابقان تمامًا، لدرجة مرعبة، لكن الملامح كانت جامدة، كأنها قناع من الشمع.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!