بنتى2

ظلمة المطبخ كانت خانقة، وريحة البارود بدأت تختلط بريحة الأكل المحروق اللي كان شاهد على كل السنين اللي فاتت. قلبي كان بيدق بعنف، مش من الخوف، لكن من هول الصدمة اللي مريم رمتها في وشي قبل ما النور يقطع.
لما النور رجع فجأة، المشهد كان كفيل يوقف القلب. جاسم كان واقع على الأرض وسلاحه بعيد عنه، وأبويا كان واقف بيترعش وماسك في إيده تليفون أرضي متصل بحد، وأمي كانت واقعة على الكرسي مش قادرة تتنفس. مريم؟ مريم كانت واقفة في نص المطبخ، ماسكة في إيدها “جهاز تشويش” صغير، وكانت بتبصلي بدموع وعيون بتقول “سامحني”.
**الحقيقة المرة:**
مريم ماكنتش ضحية سلبية زي ما كنت فاكر. مريم كانت بتلعب أخطر لعبة في حياتها. اكتشفت إن أبويا، اللي كنت بشوفه في عيني رمز للوقار، كان عليه ديون فلكية بسبب “جاسم” اللي
طلع في الحقيقة مش قريبنا، ده كان شريكه في عمليات مشبوهة، وكانوا بيستخدموا بيتي كـ “مخزن” لعملياتهم، وأمي كانت بتسهلهم ده عشان “تحمي” مكانة أبويا الاجتماعية من الفضيحة، وكانوا موهمين مريم إنهم لو ما نفذوش طلباتهم، هيقتلوني في سفري.
مريم قضت الـ 3 شهور دول في جحيم، بس بدأت تسجل كل كلمة وكل حركة، وكانت بتبعت التقارير دي لجهة أمنية تانية – مش اللي أنا شغال فيها – عشان تضمن حمايتي وحماية نفسها من “أبويا وأمي” قبل جاسم.
**النهاية:**
دخلت قوات الأمن البيت بعد دقايق. كان مشهد مهين وأنا بشوف أبويا وأمي وجاسم بيتكبلوا بالأصفاد قدام عيني. جاسم حاول يهرب، بس رصاصة واحدة في رجله من قوات الأمن أنهت أسطورته.
بصيت لمريم، كانت منهكة، جسمها اللي خس 12 كيلو كان شايل حمل جبال. قربت منها، مسكت إيديها اللي كانت لسه بتترعش، وقلت لها: “ليه ما قلتيليش؟ ليه شيلتي كل ده لوحدك؟”
ردت بصوت مبحوح: “كنت خايفة عليك.. كنت خايفة إنك لما تعرف إن أبوك هو اللي باعك، تتكسر.. وأنا ماكنتش أقدر أشوفك مكسور”.
قعدنا بعدها في بيت مهجور من الذكريات، بعنا البيت اللي شهد على خيانتهم، وسافرنا لمكان جديد. مريم بدأت تتعافى، ورجعت لها ابتسامتها، بس كان الدرس قاسي علينا.
**العبرة (النهاية المفيدة):**
القضية مش قضية خيانة عيلة أو استغلال غريب، القضية في “الصمت” اللي بنفترض إنه حماية. مريم تعلمت إن السكوت على الغلط -مهما كانت مبرراته- مش بيحمي اللي بنحبهم، بالعكس، ده بيدي الظالم فرصة أكبر إنه يتمادى.
اتعلمت إن “الدم” عمره ما كان مبرر للظلم، وإن البيت مش حيطان وأثاث، البيت هو “الأمان”، ولو فقدنا الأمان مع أقرب الناس لينا، بيبقى الغريب أحياناً أقرب من القريب. اتعلمنا إن الثقة المفرطة في “المظاهر” بتعمينا عن الحقيقة، وإننا لازم نكون واعيين بكل تفصيلة في حياتنا، لأن الشيطان دايماً بيستخبى في “التفاصيل الصغيرة” اللي بنفتكر إنها مش مهمة.
مريم بطلة قصتي الحقيقية، مش لأنها استحملت، لكن لأنها في اللحظة الحاسمة، قدرت تكسر حاجز الخوف وتواجه الحقيقة، حتى لو كان التمن هو هدم بيتنا القديم عشان نبني حياة جديدة.. حياة مبنية على الصراحة والوضوح، مش على الأسرار والستر اللي بيغطي على العفن.
**نصيحة أخيرة:**
لا تستر ظالماً لمجرد إنه من دمك، ولا تسكت عن حقك بحجة الحفاظ على الود، فالود الذي يُبنى على الخوف والذل ليس وداً، بل هو سجن.. والحرية تستحق دائماً أن ندفع ثمنها، حتى لو كان هذا الثمن هو البداية من الصفر.
شارك
