ترضع ابني حكايات زهرة 2

شيلت رنا ونيمتها على السرير، وكانت بتتنفس بانتظام لأول مرة من شهور. الشيخ عبد الرحمن جمع حاجته وقالي وهو باصص للأرض بقلق: “يا كريم، الموضوع أكبر من جن عابر.. الكلام اللي قاله وهو على لسانها عن العهد والدم معناه إن في طرف تالت في الحكاية دي هو السبب، في حد قريب منكم جداً عمل عمل بالدم والغل ده عشان يدمر البنت والطفل.. لازم تدور ورا الخناقة دي، وتعرف مين اللي رتب ليها ومين اللي كان قاصد يوصل رنا للحالة دي!”.
الشيخ مشى، وأنا قعدت في الصالة والضلمة محاوطاني من كل حتة.. كلام الشيخ كان بيرن في ودني.. “حد قريب منكم جداً”.. بدأت أفتكر تفاصيل خناقة المستشفى، ومين اللي بدأ الكلام، ومين اللي كان حريص إن رنا متقومش بالسلامة.. وفجأة، عيني جت على شنطة هدوم رنا اللي حماتي كانت جايباها معاها المستشفى وسابتها عندنا.. قمت وفتحت الشنطة وبدأت أفتش في الهدوم بقلب مقبوض.. وفي جيب داخلي لقميص النوم الأبيض اللي رنا كانت لابساه في الشارع، لقيت…
لمحت طرف ورقة مطوية ومقصوصة بشكل مثلث، ملمسها كان غريب وجاف، كأنها كانت مبلولة بنشأ أو مادة لزجة ونشفت. سحبتها براحة وإيديا بتترعش، ولما فتحتها تحت ضوء كشاف الموبايل، لقيت جواها قماشة بيضا صغيرة متلطخة ببقع دم ناشفة مائلة للسواد، وملفوف حواليها خيط أسود معقود كذا عقدة، وجوه الورقة مكتوب بمداد أحمر باهت كلام مش مفهوم، طلاسم ورموز دائرية، وفي النص مكتوب اسم “رنا بنت هدى” وجنبها عبارة: “تغيب ولا تعود، ويموت لبنها في جوف مولود”.
النور قطع في الشقة كلها في نفس اللحظة!
وقفت مكاني والضلمة حاصرتني، وأنفاسي بقت مسموعة وعالية. فجأة، سمعت صوت حركة خفيفة جاية من الصالة.. صوت خطوات حافية بتتسحب على السيراميك. افتكرت إنها رنا فاقت، ندهت بصوت مهزوز: “رنا؟ إنتي صحيتي؟”.
مفيش رد. لكن الخطوات زادت وسرعتها بقت أغرب، كأن في حد بيجري على أربعة! شغلت كشاف الموبايل ووجهته ناحية الصالة.. ومكنش في حد. بس الصدمة إن باب أوضة يوسف كان مفتوح على آخره والسرير الصغير بتاعه فاضي!
قلبي سقط في رجلي، جريت زي المجنون على الأوضة، قلبت الملايات، بصيت تحت السرير.. الواد مش موجود! وفجأة سمعت صوت عياطه المكتوم جاي من البلكونة. جريت على البلكونة وفتحت الشيش، والهوا الساقع لطش في وشي.. ووشي اتسمر من المنظر.
رنا كانت واقفة على السور بتاع البلكونة، في الدور الخامس! واقفة على حرف الخرسانة ومطيرة رجل برة الشارع، وشايلة يوسف في حضنها وضامة عليه جامد، والواد عمال يصرخ وينازع. عين رنا كانت مقفولة تماماً كأنها نايمة تنويم مغناطيسي، وبتتحرك يمين وشمال وهي واقفة على الحرف وجسمها بيميل مع الهوا.
