ترضع ابني حكايات زهرة 2

جمدت في مكاني والدم هرب من عروقي، الصوت اللي طالع من حنجرة مراتي الرقيقة كان صوت مرعب، غليظ، وله صدى غريب بيزلزل الحيطان. الشيخ عبد الرحمن متهزش، فضل مكانه وثبت نظره في عينيها وعلا صوته بقراءة آية الكرسي بقوة ويقين.

مع كل كلمة كان الشيخ بيقولها، رنا كانت بتتلوى وتصرخ، بس الصرخة مكنتش صرختها، كانت صرخة جماعية كأن في كذا صوت طالعين من جوفها في نفس الوقت! بدأت تخبط بإيديها على الحيطة لدرجة إن ضوافرها بدأت تنزف، وأنا واقف مشلول مش عارف أعمل إيه، خايف أقرب منها تؤذيني، وخايف أسيبها فتؤذي نفسها.

فجأة، رنا اتنفضت ووقعت على الأرض، وبدأت تزحف على بطنها بسرعة مش بشرية متجهة ناحية أوضة الأطفال حيث يوسف نايم! الشيخ عبد الرحمن صرخ فيا وهو بيمد إيده بسبحته: “امسكها يا كريم! اوعى تخليها تخش للواد! امسكها بسرعة!”.

فوقت من صدمتي وترميت بكل جسمي عليها، مسكتها من كتافها، وكنت متخيل إن جسمها الضعيف هيهبط في إيدي، بس الصدمة إن قوتها كانت تعادل قوة أربع رجالة! زقتني بإيد واحدة طيرتني في آخر الصالة، خبطت في الكومودينو والوجع سمع في ضهري.

الشيخ عبد الرحمن جري وقف قدام باب أوضة يوسف، وفرد إيديه وهو بيقرأ أواخر سورة الحشر بصوت يهز الجبال. رنا وقفت على حيلها، وشها كان متشنج وعينيها لسه مقلوبة، وبصت للشيخ بغل وقالت بالصوت الغليظ: “مش هتقدر علينا.. دي الأمانة اللي سابوهالنا، الأم والابن بتوعنا.. الخناقة اللي حصلت في المستشفى فتحت الباب، والدم اللي اتسال هناك كان العهد!”.

هنا بدأت خيوط الكارثة تتربط في دماغي.. خناقة أمي وحماتي في المستشفى! الردح، والغل، والدم اللي سال لما واحدة فيهم اتعورت من الضوافر.. الشيخ عبد الرحمن فهم الإشارة، وبصلي وهو عرقان وقالي: “الخناقة اللي حصلت وقت الولادة، وطاقة الغل والحقد اللي كانت في المكان، مع ضعف نفسية المدام وخوفها الشديد من الخلفة، فتح ثغرة لجن عاشق خبيث، والشهقة والغياب عن الوعي وقت الرضاعة دي محاولة منه لسرقة طاقة البنت عشان يلبسها بالكامل!”.

الشيخ التفت لرنا وضغط بإصبع الإبهام على جبهتها بقوة وهو بيكبر: “الله أكبر! الله أكبر! اخرجو منها طوعاً أو كرهاً!”.

رنا طلعت شهقة طويلة جداً، أطول وأرعب من كل مرة، وجسمها كله اتفرد لفوق كأن حد ساحبها من شعرها، وبعدين تفت دم أسود من بؤها، ووقعت جثة خامدة مفيهاش حراك.

البيت فجأة بقى هادي هدوء مرعب، وصوت الهوا برة الشقة سكت. جريت عليها وأنا بنهج، وبدأت أهزها: “رنا.. رنا ردي عليا!”. الشيخ قعد على ركبه وهو بيمسح عرقه وقالي بنبرة تعبانة: “الحمد لله، الإغماءة دي إغماءة طبيعية، العارض انكمش بس مخرجش يا كريم.. اللي عملناه ده كان مجرد مسكن، الجلسة دي هيجته، وهو لسه جوة وبيلف في دمها”.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!