بعد وفاة جوزي حكايات رومانى مكرم 2

“طارق.. افتح الصندوق فورًا، الباشا عرف إن الست الكبيرة في كفر الشيخ، ورجالتنا بقوا تحت البيت عندكوا دلوقتي.”

نورا كتمت أنفاسها وحطت إيدها على بوقها عشان صراخها ما يطلعش، وقفلت الخط بسرعة وهي بتبصلي برعب. جريت على الشباك اللي بيطل على الشارع، وبصت من ورا الستارة، ووشها اتقلب تمامًا.. لفت ليا وقالت بصوت ميت من الخوف:

“ماما.. في عربيتين سمر واقفين تحت البيت، وفيهم رجالة شكلهم غريب.. إحنا محبوسين هنا!”

الخوف كان عاوز يتملك مني، بس افتكرت محمود الله يرحمه والوجع اللي عاش فيه لوحده عشان يحمينا. الدم جرى في عروقي ووقفت بثبات، وقلت لنورا:

“صلاح ابن عمي شقته في الدور الأرضي، وليها باب خلفي بيفتح على الجنينة ومنها على الشارع الوراني.. لازم ننزل حالا قبل ما يفكروا يطلعوا.”

أخدنا الشنطة اللي كنت لميت فيها حاجتي، ونزلنا السلم في ضلمة البيت وبمنتهى الحذر. فتحنا باب شقة صلاح بمفتاحه اللي كان سايبه في الباب من جوه، وخرجنا من الباب الخلفي للشارع الضيق اللي ورا البيت. الشارع كان فاضي وضلمة، بس الهوا البارد خبط في وشنا وكأنه بيطرد الكابوس.

مشيت أنا ونورا بسرعة لحد ما وصلنا للمحطة، وركبنا أول عربية رايحة القاهرة. طول الطريق، نورا كانت سانده رأسها على كتفي وبتعيط في سكات، وأنا إيدي على السلسلة اللي في رقبتي.. المفتاح الصغير بقى كأنه حتة نار بتلسع صدري.

وصلنا القاهرة على العصر. نورا افتكرت إننا هنروح شقتها، بس أنا وقفتها وقلت لها بصرامة:

“شقتك هتبقى أول مكان يدوروا فيه.. إحنا رايحين الشقة القديمة.. شقتي أنا ومحمود.”

نورا بصتلي بذهول: “بس الشقة دي اتباعت يا ماما! وطارق السيوفي قال إنه اشتراها!”

رديت عليها: “طارق في الحجز دلوقتي، والرجالة اللي تحت البيت لسه بيدوروا علينا في كفر الشيخ.. الشقة دي هي المكان الوحيد اللي فيه سر أبوكي، ولازم نفهمه قبل ما يوصلوا لينا.”

وصلنا العمارة القديمة في حي شبرا. البواب القديم “عم عبده” أول ما شافني اتفاجئ وجري علينا:

“ست كريمة! يا مرحب يا فندم.. بس الشقة مقفولة من ساعة ما الأستاذ طارق اشتراها ومحدش بييجي هنا.”

قلتله بنبرة هادية: “معلش يا عم عبده، نسيت حاجة تخص المرحوم جوه، ومعايا مفتاح نسخة قديمة.. اطلعي معايا يا نورا.”

طلعنا السلم وقلبنا بيدق زي الطبول. فتحت الباب، ودخلنا الشقة اللي كانت ريحة التراب مغرقاها، وكل العفش متغطي بملايات بيضا كأنها شباح. دخلت فورًا على أوضة النوم القديمة، وشيلت السجادة الكبيرة من على الأرض.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!