حكايات الهوارى 4

وصل التاكسي بيت حمايا في المطرية وكانت الساعة دخلت على 4 الفجر، المنطقة كلها هادية والبيوت مطفية. نزلت وفتحت الباب لآية، وسندتها وهي شايلة يوسف اللي نام من التعب. مشيتها كانت تقيلة، وضهرها محني، وكل خطوة بتخطيها كانت بتوجع قلبي من الندم.. البنت اللي خرجت من البيت ده من سنتين بستانها الأبيض وضحكتها ماليّة وشها، راجعة له النهاردة في الفجرية مكسورة وشبه الشبح.

طلعنا السلم ببطء لحد ما وصلنا الدور الثاني. وقفت قدام الباب وإيدي بتترعش، مش قادر أمد صباعي على الجرس.. هقول لحمايا إيه؟ هقول له إني سلمت بنتك الغالية لأمي تجوعها وتهينها، وأنا كملت عليها بكلامي وقسوتي؟

بصت لي آية وعينيها مليانة دموع ورجاء، كأنها بتقولي “أرجوك متسيبنيش”.. هزيت لها راسي وطمنتها، ودست على الجرس.

ثواني وسمعنا حركة جوة، والباب اتفتح.. ظهر حمايا “الحاج عبد الحميد”، راجل طيب ووقور، شعر راسه كله أبيض. كان لابس جلبابه الأبيض وواضح إنه كان صاحي بيصلي الفجر.. أول ما شافنا، عينه اتسعت بذهول، وبص لآية، وبعدين ليوسف الرضيع، وبعدين ليا.. وملامحه قلبت قلق ورعب:

— “رامي؟! آية؟! في إيه يا ولاد يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. إيه اللي جابكم في وقت زي ده؟ الواد جرى له حاجة؟ آية مالك يا بنتي؟!”

في اللحظة دي، آية مقدرتش تمسك نفسها.. أول ما شافت أبوها، سابت إيدي ورتمت في حضنه وفضلت تبكي بنحيب وشهقات عالية هزت السلم كله.. حمايا اتخض وأخدها في حضنه وبدأ يطبطب عليها وهو بيبص لي بنظرة حادة ومليانة تساؤلات وعتاب:

— “في إيه يا رامي؟ بنتي مالها؟ وشها أصفر ودبلانة كده ليه؟ أنت زعلتها يا ابني؟”

على صوت العياط، حماتي صحيت وجت تجري من جوة، أول ما شافت بنتها صرخت ولمت بنتها في حضنها وأخدت منها يوسف وهي مش مصدقة شكل بنتها اللي اتغير في 15 يوم بس:

— “يا حبيبتي يا بنتي! إيه اللي جرى لك؟ ده أنتي قاطعة بيا بقالك أسبوعين ومابت رديش على تليفوناتي وأقول لسه والدة وتعبانة.. إيه اللي عمل فيكي كده؟!”

حمايا شدني من إيدي ودخلني الصالة، وقفل الباب.. قعد آية وحماتي دخلت بالواد جوة، ووقف قدامي وهو حاطط إيده في وسطه، وعينه بتطلع شرار:

— “اتكلم يا رامي.. في إيه؟ بنتي مالها؟ وشكلها عامل كده ليه كأنها طالعة من قبرها؟!”

ملقتش كلام أقوله.. الكلام تاه من بقي، ودموعي نزلت غصب عني.. الراجل اللي كان داخل بـ “الفازة الحديد” يضرب إخواته، واقف دلوقتي قدام حماه زي العيل الصغير المذنب.. نزلت على ركبي قدام الحاج عبد الحميد، وطيت على إيده بستها وأنا ببكي بحرقة:

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!