حكايات الهوارى 4

المحامي عينيه اتسعت وقال:
— “بجد يا رامي؟ لو الكلام ده صح، إحنا مش بس هنبطل العقد.. إحنا نرفع عليهم قضية تزوير ونحبسهم!”
وقفت وقلت له بصوت حاسم:
— “اكتب العريضة يا متر.. وقدمها للنيابة فوراً.. أنا مابقيتش باقي على حد عايز يخرب بيتي ويشرد ابني الرضيع.”
وفي خلال أسبوع واحد، كانت القضية في المحكمة.. أمي وخالد جالهم أمر استدعاء من النيابة بتهمة التزوير والنصب.. أول ما عرفوا إن حبل المشنقة القانوني لف حوالين رقبتهم، وإن الشقة هتفضل بتاعتي غصب عنهم، وإن بيع البيت القديم باطل.. الجبروت اتمسح تماماً.
جالي مدحت أخويا بيعيط على القهوة ويترجاني:
— “عشان خاطري يا رامي.. أمك بتموت من الرعب وخالد هيروح في داهية وشغله هيقفل.. تنازل عن القضية وهما مستعدين يكتبوا لك إقرار بعدم التعرض ليك أو لمرأتك طول العمر!”
بصيت لمدحت وقلت له:
— “أنا هتنازل يا مدحت.. مش عشانكم.. عشان ابني يوسف لما يكبر ما يلاقيش عمامته وجدته في السجون.. بس من اللحظة دي.. أمي وإخواتك ماتوا بالنسبة لي.. مفيش مليم واحد هيدخل جيبكم، ولا وشي هتشوفوه، والباب اللي اتقفل مش هيتفتح تاني ليوم الدين.”
تنازلت عن القضية بعد ما أمي وخالد وقعوا على إقرارات موثقة في الشهر العقاري بعدم التعرض ليا أو لبيتي أو لزوجتي، ورجعوا الفلوس الكاش للراجل اللي باعوا له البيت القديم وهم يجرون أذيال الخزي والعار وخسارة مكانتهم قدام العيلة كلها.
وفي نفس اليوم.. رجعت أنا وآية ويوسف لشقتنا في الشروق.. الشقة كانت منورة، ريحة النظافة والاستقرار ماليّة المكان.
دخلت آية وهي شايلة يوسف اللي بدأ يكلبظ ووشه يرد فيه الروح والضحكة، وبدأت ملامحها تنور وتلمع زي زمان وأحسن.. قعدت على السرير براحتها، ولأول مرة من يوم ما ولدت، شوفتها بتعدل هدومها وبترضّع يوسف وهي مبتسمة.. وصوت طقطقة اللبن في بق الواد وهو بيشبع كان أحلى لحن سمعته في حياتي.. اللبن رجع في صدرها بغزارة.. لأن النفسية هديت، والظلم انزاح، والأمان رجع للبيت.
قربت منها، وقعدت جنبها، وحضنتها هي وابني مع بعض.. وبست راسها وطول في البوسة وقلت لها:
— “مبروك علينا بيتنا الجديد يا أم يوسف.. مبروك عليا رجوعك ليا.”
بصت لي وعينيها مليانة دموع الفرحة والأمان وقالت:
— “الله يبارك فيك يا رامي.. أنت بقيت سندي بجد.. والنهاردة بس أنا حاسة إني ملكة في بيتي.”
والمواجهة اللي بدأت بطبق فضلات معفن وظلم وكسرة، انتهت بباب مصفح مقفول على حبايبه، وراجل عرف يعني إيه يصون أمانته ويحمي مراته وابنه من الدنيا كلها.. وعشنا من يومها في تبات ونبات، وابننا شبعان في حضننا، والماضي قفلنا صفحته ورميناها في أقرب سلة زبالة.
