جوزي خدني معاه حكايات رومانى 3

تجمدت في مكاني لثوانٍ بدت وكأنها دهر. الابتسامة الخبيثة التي ارتسمت على شفتي رامي في تلك اللحظة نسفت كل شعور بالانتصار كنت أظن أنني حققته. كان ينظر إليّ وكأنه يقول: “لقد وقعتِ في الفخ يا داليا”.

تذكرت ذلك اليوم المشؤوم قبل ثلاث سنوات، عندما جاءني بالدفتر وقال بنبرة الحب والخوف المعتادة: “يا حبيبتي، أنا بسافر كتير عشان الصفقات، ومحتاج توقيعاتك على الشيكات دي على بياض عشان لو حصل أي ظرف طارئ والشحنات واقفة في الميناء تقدري تخلصيها”. وثقت به عمياء، ووقعت بيد واحدة على نهايتي.

تراجعت خطوتين للخلف بينما كان رجال الشرطة يقتادونه هو وندى خارج الممر. التفت إليّ رامي وهو يمر من جانبي، وهمس بصوت منخفض لم يسمعه غيري: “قلت لك بلاش المحاكم يا داليا… إحنا الغرقانين سوا.”

دخلت ندى في نوبة بكاء صاخبة وهي تصرخ: “أنا ماليش دعوة بحاجة!”، لكن أحداً لم يستمع إليها. انصرف الجميع، وبقيت أنا والأستاذ مجدي في ردهة الشركة التي أصبحت فارغة وموحشة.

لاحظ الأستاذ مجدي شحوب وجهي وارتجاف يدي وهي تمسك بالهاتف، فاقترب مني بقلق وقال: “خير يا مدام داليا؟ وشك قلب ليه؟ إحنا موقفنا قوي جداً.”

ناولته الهاتف دون أن أنطق بكلمة. قرأ الرسالة المجهولة، وتغيرت ملامحه الوقورة فورًا. عقد حاجبيه وقال بنبرة حذرة: “الشيكات دي حقيقية يا فندم؟ أنتِ وقعتِ له فعلاً على بياض؟”

أومأت برأسي بإيجاب، وصوتي يكاد يخرج مخنوقًا: “أيوه… من كام سنة. كنت فاكرة إنه بيأمن الشغل.”

ضرب الأستاذ مجدي كفًا بكف وقال: “دي مصيبة… الشيك على بياض في القانون المصري زي التفويض المطلق. لو الشيكات دي وقعت في إيد حد عايز يؤذيكي، وقيمها بمبالغ ضخمة، هتبقي قدام ق*ضية توظيف أموال أو نصب، واللجنة اللي بره دي لو لقت الشيكات دي في الدفاتر ومربوطة بحسابات مشبوهة، هتبقى كارثة.”

سألته والذعر يتملكني: “والعمل؟ الرسالة بتقول إن الفلوس مش في حساب رامي ولا ندى… الفلوس راحت لحد تاني خالص!”

نظر الأستاذ مجدي حوله، ثم قال بصوت خفيض: “الشخص اللي بعت الرسالة دي موجود معانا هنا، أو مراقب المكان بدقة لأنه صورك وأنتِ خارجة من المكتب حالا. لازم نعرف مين الطرف الثالث اللي رامي كان بيحرك الفلوس لحسابه. رامي مجرد واجهة… والظاهر إننا فتحنا صندوق بنادورا.”

عدت إلى المنزل وعقلي لا يتوقف عن التفكير. من يكون هذا الطرف الثالث؟ ومن الذي يملك الشيكات؟

جلست في الصالة المظلمة، أمسك بهاتفي وأعيد قراءة الرسالة المجهولة مرارًا وتكرارًا. وفجأة، لاحظت شيئًا غريبًا في تفاصيل الصورة الملتقطة لي؛ في زاوية الصورة، خلف ظهري تمامًا، كان هناك انعكاس لسيارة سوداء فخمة تقف أمام باب مبنى الشركة، تظهر نمرة سيارتها بشكل شبه واضح في مرآة المبنى الزجاجية.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!