بعد طلاقي حكايات زهره 3

## الجزء الخامس
ساد الصمت في الغرفة، ولم نكن نسمع سوى صوت أنفاس عمر المتحشرجة عبر الهاتف. نظرت إليّ مريم برعب، بينما أشار لها أحمد بيده لتظل متماسكة ولا تكشف مكانها.
بلعت مريم ريقها وقالت بنبرة حاولت جعلها طبيعية: “في إيه يا عمر؟ صوتك ماله؟ كارثة إيه اللي بتتكلم عنها؟”
جاء صوته من الطرف الآخر باكياً، نعم.. عمر الذي لم أره يبكي طوال سنوات زواجنا كان ينتحب كطفل ضائع: “مريم.. أنا كنت في شقة أمي القديمة، كنت بدور في ورقها القديم عن اسم الدكتورة اللي عملت عندها تحاليل قبل الجواز من فريدة.. كنت عايز أوصلها عشان أرفع القضية وأنا مسنود.. بس لقيت المحفظة القديمة بتاعة أمي.. وفيها جواب..”
سكت عمر، وكأن الكلمات تخنقه، ثم تابع بصوت يرتجف: “أمي.. أمي هي اللي دمرتني ودمرت فريدة.. الجواب كان من الدكتورة لأمي.. الدكتورة كانت صاحبتها الروح بالروح.. أمي لما عرفت نتيجة تحاليلي زمان إني مابخلفش، خافت عليا من الصدمة، وخافت من كلام الناس إن ابنها الوحيد عقيم.. فاتفقت مع الدكتورة يزوروا التحاليل.. ويدوني النتيجة سليمة!”
صعقتني الكلمات، وشعرت بجسدي يتخشب بالكامل. التفت أحمد إليّ وعيناه متسعتان من الذهول، بينما تابعت مريم بلهفة: “يعني إيه يا عمر؟ يعني أنت بتخلف؟ والتحاليل بتاعة ألمانيا هي اللي غلط؟”
صرخ عمر بنبرة يملؤها القهر: “لأ يا مريم! أنا مابخلفش فعلاً.. تحاليل ألمانيا صح، وتحاليل قبل الجواز المزورة كانت بتقول إني سليم عشان أمي تخبي عيبي.. الكارثة مش هنا.. الكارثة إن أمي لما لقتني صممت أطلق فريدة بعد تلات سنين جواز عشان مفيش خلفة، ولما عرفت إن فريدة حامل بعد الطلاق.. خافت! خافت إن السر يتكشف وأنا أطلع عقيم والولد يطلع مش ابني وتدخل في قصة شرف.. فـ.. فـ..”
“فـ عملت إيه؟ انطق!” صرخت مريم بنفاد صبر.
بكى عمر بصوت مسموع وقال: “أمي راحت لفريدة المستشفى من ورايا.. هي اللي قالت لفريدة إن تحاليلي القديمة بتقول إني مابخلفش! أمي هي اللي أقنعت فريدة بالوهم ده عشان تخليها تنزل الولد وتداري على عيبي.. أمي ضحت بفريدة وبشرفها وبابني عشان منظري قدام الناس الكدابة! أنا ظلمت فريدة.. أنا طعنتها في شرفها بناءً على كدبة أمي.. ويوسف.. يوسف ابني أنا يا مريم.. ابني من صُلبي!”
شعرت بالدوار، وتراجعت خطوتين للوراء حتى ساندني أحمد. دماغي كان يغلي.. كذب.. كل حياتي السابقة كانت مبنية على سلسلة من الكذب والقهر. والدة عمر، السيدة التي كانت تعاملني كابنتها، هي من نسجت تلك المؤامرة القذرة لتحمي كبرياء ابنها على حساب شرفي وعمري!
