عندها 7 سنين حكايات رومانى مكرم 2

عندها 7 سنين
التفتُّ برعب وجسدي كله ينتفض، لتسقط عيني على المرآة الكبيرة المعلقة في الطرقة.. كان الظل المرعب الذي ارتطمتُ به هو ظلي أنا، المنعكس في عتمة الليل. تنهدتُ بضعف، ومسحتُ حبات العرق البارد التي غطت جبيني، فالخوف كان يجسد لي الشياطين في كل زاوية.
نظرتُ مجددًا نحو غرفة المعيشة، كان كريم لا يزال مستغرقًا في حديثه المقزز عبر الهاتف، وعيناه تلمعان بالجشع. عرفتُ في تلك اللحظة أنني أمام وحش لا يملك ذرة من الإنسانية، وأن أي مواجهة مباشرة معه الآن، وأنا في هذه الحالة من الضعف والذهول، ستنتهي بكارثة قد تدفع ثمنها “مريم”.
تراجعتُ إلى غرفة ابنتي بخطوات قطة، وأغلقتُ الباب خلفي بالمفتاح مجددًا. جلستُ على الأرض، واستندتُ برأسي إلى السرير وأنا أنظر إلى ملاكي الصغير النائم. أخرجتُ هاتفي الشخصي، وبدأت يداي ترتجفان وأنا أبحث عن رقم شقيقي “أحمد”. لم أكن قادرة على الاتصال به لئلا يسمع كريم صوتي، فأرسلتُ له رسالة نصية قصيرة، مشفرة لكنها تحمل كل معاني الاستغاثة:
«أحمد، تعالي بكره الصبح بدري أوي.. تعالي خدني أنا ومريم بحجة إن ماما تعبانة وعايزانا. متسألش عن السبب دلوقتي، بس لازم تيجي.. حياتنا في خطر.»
لم أذق طعم النوم طوال الليل. كنت أستمع إلى كل حركة في الشقة؛ سمعتُ كريم وهو يغلق هاتف، وخطواته وهي تتحرك نحو غرفة النوم الرئيسية، ثم صوت أنفاسه الثقيلة بعد أن نام.
في تمام الساعة السابعة صباحًا، استيقظت مريم وهي تبكي في صمت. حضنتها بقوة وهمستُ في أذنها: “حبيبتي، إحنا هنروح عند تيتة النهاردة.. ومفيش رجوع هنا تاني، متخافيش.”
لم تكد تمر نصف ساعة حتى رن جرس الباب. كان أحمد.
خرجتُ من الغرفة بسرعة قبل أن يستيقظ كريم، وفتحتُ الباب. كان وجه أحمد شاحبًا وقلقًا، نظر إليّ وإلى الهالات السوداء تحت عينيّ وقال بهمس: “فيه إيه يا منى؟ رسالتك خضتني!”
وقبل أن أنطق بكلمة واحدة، انفتح باب غرفة النوم الرئيسية، وخرج كريم وهو يرتدي رداء الحمام، ينظر إلينا بعينين ناعستين، لكنهما تحملان نظرة فحص حادة وذكية. ابتسم ببرود وقال: “أهلاً يا أحمد.. منور يا نسيبى. خير، صاحي بدري وجاي على هنا ليه؟”
أحمد تدارك الموقف وقال بنبرة جادة: “أمي تعبانة شوية يا كريم، وطالبة تشوف منى ومريم.. أنا جاي آخدهم يقعدوا معاها كام يوم.”
تحرك كريم ببطء حتى وقف بيني وبين باب الشقة، وعقد ذراعيه أمام صدره، ونظر إلى الحقيبة الصغيرة التي كنت أقبض عليها بيدي خلف ظهري، وقال بنبرة هادئة تحبس الأنفاس: “ألف سلامة عليها.. بس منى ومريم مش هيروحوا في حتة النهاردة.. إحنا عندنا مشوار مهم أوي، مش كدة يا منى؟”
