الفسحه

​ليلى مكنتش متخيلة إن اللي بتعمله ده هيبقى مشكلة.. بالنسبة لها الموضوع بسيط: حد جعان وهي معاها أكل، فبتديه له.

بس الطيبة البسيطة

دي مابتعيش كتير في مجتمعات مبنية على المظاهر والبرستيج.

​في يوم، وهي بتبعت له الساندوتش، شافت خيال وراها.. ليلى.

كان صوت حاد وقفها مكانها.. أمن المدرسة كان واقف وراه ومربع إيده.. وبص لياسين وهو ماسك الساندوتش.. وكل حاجة اتغيرت.

​تاني يوم، الخبر كان مالي المدرسة.. بنت الهاشمي بتأكل شحات من ورا السور.

محدش قال الكلمة بإعجاب.. كلهم قالوها بقرف، أو بخوف مصطنع.. زمايلها بدأوا يغلسوا عليها: هو بيمشي وراكي للبيت؟ مش بتخافي يعديكي بمرض؟ إزاي تلمسيه أصلاً؟

​ليلى فضلت ساكتة.. مش عشان مفيش عندها رد، بس عشان فهمت إنهم مش بيسألوا عشان يفهموه، هما بيسألوا عشان يفرقوا بينه وبينهم.

​المدرسة بلغت أهلها.. وبليل كانت قاعدة قدامهم في الصالون والجو مشحون.

الأم كانت قلقانة، والأب كان هادي بزيادة، وده كان بيخوف أكتر.

أبوها قال لها:

يا ليلى لازم تفهمي، الناس اللي زيه مابقوش كدة بالصدفة.

ليلى نزلت عينها في الأرض وقالت له بهدوء: لو أنا اللي كنت جعانة، كنت هبقى عايزة حد يساعدني أنا كمان.

​الأوضة سكتت تماما.. محدش عرف يرد. بس الحقيقة لما بتبقى توجع، الكبار بيحولوا الوجع ده لقواعد.

بعد كام أسبوع، القرار طلع.. ليلى هتتنقل مدرسة تانية.. بيئة تانية، بداية جديدة.. والتعليمات كانت واضحة: ممنوع تقرب من البوابة القديمة، ممنوع تجيب أكل زيادة، وممنوع تجيب سيرة ياسين تاني.

​بالنسبة للكبار، دي كانت تعديل مسار.. بس بالنسبة لياسين، كانت حاجة تانية خالص.

فضل مستني.. أيام.. في نفس المعاد.. عند نفس البوابة.. بس ليلى مظهرتش تاني.

في الأول افتكرها اتأخرت.. بعدين افتكرها عيانة.. وفي الآخر فهم.

الشخص الوحيد اللي كان مخليه يحس إنه موجود.. اختفى.

وفي حاجة جوا ياسين انطفت.. الأمل لما بيمشي من غير تفسير، بياخد معاه الروح.

​وفجأة في يوم..

ياسين هو كمان اختفى..

مرت 20 سنة زي البرق.. ليلى كبرت وبقت ست مجتمعية وسيدة أعمال، وحاولت بكل جهدها تحافظ على اسم عيلة “الهاشمي” في السوق.. بس الدنيا غدارة، وأبوها خسر مبالغ ضخمة في استثمارات فاشلة، والديون بدأت تأكل الأخضر واليابس لحد ما الحجز وصل لبيتهم ومطاعمهم.

​في ليلة من أصعب ليالي حياتها، ليلى كانت قاعدة في ركن مهجور في المطعم الرئيسي بتاعها.. النور كان مطفي، والعمال مشيوا، وهي قاعدة قدام كومة من الفواتير والإنذارات القانونية.. كانت حاسة بكسرة نفس مكنتش تتخيلها، وفجأة افتكرت “ياسين”.. الطفل اللي كانت بتواسيه بلقمة وهي صغيرة.. سألت نفسها: “يا ترى هو فين دلوقتي؟ وهل الدنيا كانت أحن عليه مني؟”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!