بنت الناس حكايات امانى السيد 1

وقفت وبقت في وشه، كملت وهي بتشاور بأصابعها على صدره: “أنت خسرتني كل حاجة يا طاهر.. خسرتني ثقة أبويا، واحترام أهلك، وسمعتي وسط البلد. والست لما ميبقاش عندها حاجة تخاف عليها، بتبقى أخطر من السيل. المحل اللي مأجره لأبويا؟ الورقة اللي أنت ماضي عليها باستلام مقدم الإيجار لمدة عشر سنين وفاتورتها في مصلحة الضرائب.. معايا صورتها. القرض اللي باسمي؟ لو ماروحتش البنك وسددت قسطه أول بأول، هرفع قض..ية تزوير ونسبح سوا في المحاكم. اخرج برة الأوضة دي دلوقتي.. عشان الواد ينام.”

طاهر حس إن الأرض بتميل بيه. الست الغلبانة، اللي كانت بتبكي من نظرة عتاب، بقيت بتقرا خطاوية زي كتاب مفتوح. خرج من الأوضة ورزع الباب وراه، دماغه بتودي وتجيب.

مرت الأيام، والبيت اتقلب لـ “حرب باردة”.

قدام الناس وأهله، طاهر لسه بيمثل دور الراجل المستحمل، ومريم برضه بتمثل دور الست المطيعة الخاضعة. لما الحاجة توحيدة، أمه، كانت تيجي تزورهم عشان تفتش ورا مريم وتلقي كلام السم بتاع كل مرة: “إيه يا مريم؟ الشقة برضه ريحتها كمكمة، شكل الواحدة بيبان من نظافة بيتها يا بنتي.”

مريم كانت تبتسم بأدب وتقول: “حقك عليا يا أماه، النظر على قد الصواب، بس طاهر عاجبه المحشي اللي عملته النهاردة.. خدي دوقي نيابتك.”

طاهر كان يقعد ياكل واللقمة تقف في زوره. أمه تبص له مستنية منه يزعق أو يكسر كلام مريم، فيلاقي نفسه بيقول: “تسلم إيدك يا أماه.. الأكل زين.”

الحاجة توحيدة بدأت تستغرب.. ابنها اللي كان بيجي يشكي ويبكي من “نكد مريم”، بقا ساكت، ووشه دبلان، وعينيه دايما مكسورة قدام نظراتها.

وفي ليلة، طاهر رجع المحل متأخر، لقى مريم قاعدة في الصالة، وفاتحة دفتر قديم. أول ما شافها، قال بزهق وقرف: “أنتي مش هتبطلي القعدة دي؟ عايزة إيه تاني يا مريم؟ ما أنا سايبك في حالك أهو وأبوكي في محله ومحدش جه جنبه.”

مريم قفلت الدفتر وقامت وقفت.. قربت منه، لقت ريحة لبسه عرق وشقا. بصت له وقالت بصوت رجع فيه الحزن القديم بس من غير ضعف:

“عايزة حقي يا طاهر.”

هو ضحك بسخرية: “حق إيه؟ ما أنتي واكلة شاربة في بيتي، والبلد كلها بتقول إني سترك بعد عيبك.”

مريم هزت راسها وقالت: “البلد دي هتعرف الحقيقة.. بس مش مني أنا.. منك أنت. زي ما لفيت على الجوامع والمصاطب وبيت أبويا عشان تصغرني وتخليهم يكرهوني ويشوفوني قذارة، هتلف تاني وتصلح كل اللي كسرته.”

طاهر صرخ: “أنتي اتجننتي؟ عايزاني أقول للناس إني كنت كداب ومفتري؟ أموت رقبتي بإيدي؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!