خيانه وندم حكايات اسما 2

رجع نايف لمكتبه وقف قدام الإزاز الكبير اللي بيطل على القاهرة، لأول مرة المدينة اللي كان بيعتبرها مملكته بقت غريبة عليه. تحت المبنى كانت كاميرات الصحافة مستنياه، وفوق مكتبه كانت الملفات متكومة كأنها جبل هيقع فوق دماغه. قعد على الكرسي وفتح اللابتوب من جديد، لكن قبل ما يلحق يراجع أي ورقة، الباب اتفتح ودخل مدير الشؤون القانونية وهو وشه شاحب. قال بصوت هادي: “لازم تعرف كل حاجة قبل ما توصل للنيابة.” نايف رفع عينه وقال: “قول.” فتح المحامي ملف سميك وحطه قدامه. “في آخر ست شهور خرج من حسابات الشركة أكتر من سبعة مليون جنيه تحت بند مصروفات تسويق وضيافة.” نايف بلع ريقه وقال: “وأنا المدير… من حقي.” المحامي هز رأسه وقال: “لما تكون مصروفات تخص الشركة… آه. لكن لما تكون هدايا لعشيقتك… يبقى اختلاس لأموال المساهمين.” حس نايف إن الكلمة خبطته في صدره. اختلاس. عمره ما تخيل إن اللحظة اللي كان بيشتري فيها ساعة أو خاتم لسيلينا هترجع تتحول لتهمة جنائية. سكت شوية وبعدين قال: “نقدر نصلح ده.” رد المحامي بمنتهى البرود: “كان ينفع من شهور. دلوقتي كل الفواتير وصلت للجهات المختصة.” في اللحظة دي دخل السكرتير وهو مرتبك وقال: “في ضيوف بره يا فندم.” نايف اتعصب وقال: “قولتلهم مش هشوف حد.” السكرتير بلع ريقه وقال: “مش ضيوف… مجلس الإدارة كله.” اتجمد مكانه. بعد دقائق كان قاعد على رأس الترابيزة الطويلة وحواليه الشركاء اللي اشتغل معاهم أكتر من عشر سنين. ولا واحد فيهم كان بيبصله بنفس النظرة القديمة. رئيس المجلس فتح الكلام وقال: “إحنا مضطرين نجمد صلاحياتك كرئيس تنفيذي لحين انتهاء التحقيقات.” نايف خبط بإيده على الترابيزة وقال: “الشركة شركتي.” رد الراجل بهدوء: “كانت شركتك. لكن فيها مساهمين، واللي حصل هز سمعة الكل.” حاول يتكلم لكن ما لقىش كلام. خرج من الاجتماع وهو حاسس إن الأرض بتتهز تحت رجليه. أول ما وصل الجراج لقى عربيته محاطة بالصحفيين. ميكروفونات وكاميرات وأسئلة بتتحدف عليه من كل ناحية. “أستاذ نايف، هل صحيح إن زوجتك رفعت قضية خلع؟” “هل عندك علاقة بالسيدة سيلينا من أكتر من سنة؟” “هل فعلاً استخدمت أموال الشركة لشراء هدايا خاصة؟” ما ردش على ولا سؤال. ركب العربية وانطلق بسرعة، لكنه ما كانش عارف يروح فين. البيت بقى فاضي، والشركة خرجت من إيده، وسيلينا آخر شخص نفسه يشوفه. فضل يسوق من غير هدف لحد ما لقى نفسه واقف قدام مستشفى الولادة اللي اتولدت فيها ليان. نزل من العربية ومشى ناحية الباب الرئيسي. نفس المكان اللي كان المفروض يعيش فيه أسعد لحظة في حياته. دخل وسأل موظفة الاستقبال عن أرشيف الزيارات. الموظفة بصت للاسم وقالت: “حضرتك والد الطفلة ليان؟” هز رأسه. قالت: “في واحدة ست كانت هنا كل يوم تقريبًا بعد الولادة.” قلبه دق بسرعة. “زهره؟” هزت رأسها بالنفي. “لا… والدتك.” اتفاجأ. “أمي؟” الموظفة كملت: “كانت تيجي الصبح بدري وتقعد مع مرات حضرتك بالساعات.” خرج وهو مش مستوعب. أمه كانت دايمًا تقول إنها مشغولة ومريضة ومش قادرة تزورهم. يبقى كانت بتكذب عليه هو كمان. ركب عربيته واتجه فورًا لبيت أمه. أول ما فتحتله الباب ابتسمت وقالت: “خير يا ابني؟” لكنه ما ردش. دخل الصالون ورمى الظرف الأصفر على الترابيزة وقال: “كنتي عارفة.” ملامحها اتغيرت، لكنها ما أنكرتش. قعدت بهدوء وقالت: “أيوه.” صرخ: “كنتي عارفة إن مراتي هتمشي؟” قالت وهي باصة في الأرض: “مش بس كده… أنا كنت بترجاها تستحمل شوية يمكن ترجع لعقلك.” حس إن قلبه بيتقطع. “وليه ماقولتيليش؟” رفعت عينيها لأول مرة وقالت: “لأنك لو كنت بتحب تسمع النصيحة… ماكنتش وصلت لكده.” سكتت لحظة ومسحت دمعة نزلت على خدها ثم قالت: “فاكر لما ليان دخلت الحضانة؟ زهره فضلت تلات أيام ما نامتش. كنت كل يوم أروح ألاقيها منهارة وهي لوحدها. وإنت كنت فين؟” ما ردش. هي نفسها جاوبت: “كنت مع سيلينا في الساحل. كنت أعرف… وكل الناس كانت تعرف.” نزلت الكلمات عليه زي المطر البارد. لأول مرة فهم إن خيانته ما كانتش سر بينه وبين سيلينا، دي كانت فضيحة مكتومة الكل شايفها وساكت احترامًا لزهره. قامت أمه ودخلت أوضتها ورجعت بعد دقيقة وهي ماسكة صندوق خشب صغير. حطته قدامه وقالت: “ده كانت زهره سايباه عندي. قالتلي لو جه يوم وحسيت إنه ندم بجد… اديلهوله.” فتح الصندوق بإيد مرتعشة. لقى فيه أول بدلة أطفال اشتراها هو بنفسه قبل الولادة، وسوار المستشفى اللي كان مربوط في إيد ليان يوم اتولدت، وصورة صغيرة ليه وهو شايل بنته لأول مرة وبيبصلها بابتسامة صادقة، وتحت الصورة ظرف أبيض مكتوب عليه بخط زهره: “يتفتح لما تعرف يعني إيه خسارة.” وقف نايف وهو حاسس إن نفسه اتقطع، ومد إيده ناحية الظرف ببطء، لأنه كان متأكد إن الورقة اللي جواه هتوجعه أكتر من أي حاجة قراها قبل كده.
نايف فضل واقف دقيقة كاملة وهو باصص للظرف الأبيض، إيده كانت بترتعش لأول مرة من سنين. فتحه ببطء، وطلع منه ورقة واحدة مطوية بعناية. أول سطر وقع عليه بصره خلاه يقعد على أقرب كرسي من غير ما يحس. “لو فتحت الرسالة دي… يبقى غالبًا خسرت كل حاجة، وساعتها بس هتفهم أنا كنت حاسة بإيه.” كمل يقرا، وكل كلمة كانت بتخبط في قلبه. “أنا ما سبتكش أول مرة كذبت عليا، ولا تاني مرة، ولا حتى لما اكتشفت إنك بتصرف آلاف الجنيهات على واحدة تانية وإحنا بنقسط سرير بنتنا. فضلت مستنية. كنت كل يوم أقول لنفسي يمكن بكرة يتغير. يمكن يشيل بنته ساعة. يمكن يسألني أنا عاملة إيه. يمكن يبصلي بنفس النظرة اللي كان بيبصهالي زمان. لكن كل يوم كان أسوأ من اللي قبله.” وقف يقرا لحظة لأنه ما بقاش شايف من كتر الدموع اللي غطت عينيه. رجع يكمل. “أصعب ليلة في حياتي ما كانتش ليلة الولادة. كانت الليلة اللي شفت فيها رسالتك لسيلينا. وأنا على سرير المستشفى، لسه خارجة من العمليات، وماقدرتش حتى أقوم أشيل بنتنا، كنت إنت بتتمنى إن الست اللي معاك هي اللي تبقى مكاني. في اللحظة دي فهمت إن أنا مش مراتك، أنا بقيت مجرد عبء في حياتك.” الورقة وقعت من إيده. حط وشه بين كفوفه وبكى بصوت مكتوم. أمه كانت واقفة بعيد، سامعة كل شهقة، لكنها ما قربتش. كانت عارفة إن مفيش كلمة هتخفف اللي بيحصل جواه. بعد شوية رفع راسه وقال بصوت مبحوح: “هي عمرها ما هتسامحني.” أمه ردت بهدوء: “يمكن. ويمكن لأ. لكن قبل ما تفكر تسامحك ولا لأ، اسأل نفسك إنت تستحق التسامح أصلًا؟” خرج من عندها وهو شايل الصندوق في حضنه كأنه أغلى حاجة بقى يملكها. ركب العربية، لكنه ما دارش المحرك. فضل قاعد يبص في صورة ليان وهي لسه مولودة. كانت صغيرة جدًا، وإيده كانت ساعتها شايلة جسمها بخوف وفرحة. افتكر إنه وقتها وعدها إنه هيكون أحسن أب في الدنيا. ابتسم بسخرية من نفسه. الوعد ما عاشش حتى تلات شهور. وهو غارق في أفكاره، الموبايل رن. الرقم كان غريب. رد بتعب. جه صوت راجل وقور: “أستاذ نايف؟ مع حضرتك المستشار عادل الشناوي.” اتعدل في قعدته. الاسم كان معروف. واحد من أكبر المحامين في القاهرة. قال: “اتفضل.” المستشار قال: “أنا الممثل القانوني للأستاذة زهره. وهي طلبت مني أوصل لحضرتك رسالة.” قلب نايف دق بسرعة. “هي كويسة؟ وليان كويسة؟” رد المستشار: “الاتنين بخير. ودي آخر معلومة شخصية هقدر أقولها.” نايف غمض عينه وقال: “أنا عايز أشوف بنتي.” المستشار قال بهدوء: “هتشوفها في الوقت اللي المحكمة تحدده. لكن قبل ده، موكلتي عندها شرط.” قال بسرعة: “أي شرط… أوافق.” رد المستشار: “ما تستعجلش. الشرط مش فلوس، ولا تنازل، ولا ممتلكات. هي قالتلي بالحرف: لو نايف بيدور علينا علشان ضميره وجعه يومين، يبقى ينسى. لكن لو بيدور علينا لأنه فهم فعلًا هو خسر إيه، يبقى يثبت ده بالأفعال مش بالكلام.” سكت لحظة وكمل: “ومن النهارده، أي محاولة منك تعرف مكانها عن طريق معارف أو تحريات خاصة أو مراقبة هتعتبر مضايقة قانونية.” قفل الخط، وفضل نايف ماسك الموبايل. لأول مرة في حياته، الفلوس والنفوذ والعلاقات ما كانوش قادرين يجيبوله اللي عايزه. في نفس اللحظة تقريبًا، كانت زهره قاعدة في شقة صغيرة هادئة في حي بعيد عن التجمع. ليان نايمة في حضنها، وشمس العصر داخلة من البلكونة. دخلت صاحبتها المقربة مها وهي شايلة أكياس طلبات البيت. حطتها على الترابيزة وقالت: “المحامي بلغني إنه كلم نايف.” زهره هزت راسها من غير ما ترفع عينيها عن بنتها. مها سألت: “ندمان؟” ابتسمت زهره ابتسامة باهتة وقالت: “يمكن.” “وهتدي له فرصة؟” بصت لبنتها، وعدلت الغطا عليها، وقالت بصوت كله وجع: “أنا ممكن أسامح اللي كسر قلبي. لكن عمري ما هسامح اللي سرق من بنتي أول تلات شهور في عمرها. الوقت اللي ضاع منها… مستحيل يرجع.” وفي الناحية التانية من القاهرة، كان نايف قاعد لوحده في الفيلا الفاضية، لأول مرة من سنين ما كانش خايف يخسر شركة، ولا فلوس، ولا منصب. كان خايف من حاجة واحدة بس… إن ليان تكبر، وييجي اليوم اللي تسأله فيه: “إنت كنت فين يا بابا وأنا كنت محتاجاك؟” وساعتها، هيعرف إنه مهما عاش، عمره ما هيلاقي إجابة تقدر تمحي السؤال ده من قلبها.
مر أسبوع كامل ونايف ما خرجش من الفيلا غير للشغل أو للمحامي. بطل يرد على مكالمات أصحابه، وبطل يفتح مواقع التواصل، وكل مرة كان يلاقي صورته أو خبر عنه، كان يقفل الموبايل من غير ما يكمل. الفيلا بقت أشبه بمتحف مهجور، كل ركن فيها بيفكره بحاجة كان بيعتبرها عادية، لكنها اختفت مرة واحدة. فنجان القهوة اللي كانت زهره تسيبه على الرخامة كل صباح، البطانية الصغيرة اللي كانت بتغطي بيها ليان وهي نايمة، حتى الخربشات البسيطة اللي كانت زهره بتكتبها على السبورة في المطبخ علشان تفتكر مواعيد التطعيمات، كلها اختفت، لكن أثرها فضل موجود في كل زاوية. وفي صباح يوم الاتنين، وصله اتصال من المحكمة. الموظفة بلغته بموعد أول جلسة خاصة بإجراءات الطلاق وتنظيم رؤية الطفلة. قفل الخط وهو حاسس إن قلبه هيقف. ده أول أمل يشوف فيه بنته من يوم ما اختفت من حياته. لبس بدلة سودا، ووقف قدام المراية يعدل الكرافتة، لكنه افتكر إن زهره هي اللي كانت دايمًا بتعمله العقدة قبل أي اجتماع مهم. مد إيده ناحية الكرافتة، لكنه معرفش يربطها. وقف دقيقة كاملة، وبعدها فكها وخرج من غيرها. وصل المحكمة قبل الموعد بساعة. فضل قاعد في العربية يبص على الباب الرئيسي، وكل ست داخلة شايلة طفل كان قلبه يدق، يمكن تكون زهره. وبعد انتظار طويل، شاف عربية بيضا وقفت قدام البوابة. نزل منها المستشار عادل، وبعده زهره. كانت لابسة إسدال بسيط ولون وشها أهدى من آخر مرة شافها، لكنها كانت مختلفة. ملامحها بقى فيها قوة عمره ما شافها قبل كده. كانت شايلة ليان، والطفلة بقت أكبر شوية، وشعرها الخفيف بدأ يبان تحت القبعة الصغيرة. اتجمد مكانه. أول مرة يشوف بنته بعد أسابيع. نزل من العربية بخطوات بطيئة، لكن قبل ما يقرب، وقف المستشار قدامه وقال بهدوء: “من فضلك، الجلسة الأول.” هز نايف رأسه، لكن عينه ما فارقتش ليان. الطفلة كانت نايمة على كتف أمها، ولا تعرف إن الراجل اللي واقف بعيد ده أبوها. دخلوا القاعة، وكل واحد قعد في مكانه. القاضية دخلت وبدأت تسمع الطرفين. محامية زهره قدمت المستندات والصور والرسائل، وكل دليل كان بيتحط قدام المحكمة كان بيزود الحمل فوق كتف نايف. ولما القاضية سألته إذا كان بينكر أي حاجة من اللي اتقدم، فضل ساكت ثواني طويلة، وبعدين قال بصوت منخفض: “لأ… ما بنكرش.” القاعة كلها سكتت. حتى محاميته بصتله باستغراب. كان يقدر يناور أو ينكر أو يطعن في الأدلة، لكنه اختار لأول مرة يقول الحقيقة. القاضية سجلت اعترافه، وبعدها أجلت القضية لاستكمال الإجراءات، وحددت جلسات للرؤية المؤقتة تحت إشراف مركز متخصص. خرج نايف من القاعة وهو بيدور بعينه على زهره. لقاها واقفة في الممر، وليان صحيت وبدأت تتحرك بين إيديها. قرب بخطوات مترددة، ووقف على بعد مترين. قال بصوت مكسور: “ممكن… أبص عليها؟” زهره بصتله ثواني، وبعدها عدلت الطفلة علشان وشها يبقى ناحيته. كانت ليان فاتحة عينيها الواسعين وبتبص في وشه من غير ما تعرفه. مد صباعه ناحية إيديها الصغيرة، لكنها قبضت على إصبع أمها بدل منه. حس وقتها إن المسافة بينه وبين بنته أكبر من أي طريق سافر فيه في حياته. قال وهو بيحاول يمنع دموعه: “كبرت.” زهره ردت بهدوء: “الأطفال بيكبروا بسرعة… خصوصًا لما اللي مفروض يشوفهم كل يوم يكون غايب.” ما لحقش يرد. المستشار طلب منها تتحرك، فلفت ومشت وهي شايلة ليان. فضل واقف يبص عليهم لحد ما اختفوا من آخر الممر. وهو خارج من المحكمة، لمح عربية سودا واقفة بعيد. أول ما شافها، عرفها. عربية سيلينا. استغرب وجودها. نزلت من العربية وهي لابسة نضارة شمس كبيرة، وقربت منه بسرعة وقالت: “بقالي أسبوع بحاول أوصلك.” بصلها ببرود وقال: “إيه اللي جابك؟” قالت وهي متوترة لأول مرة: “إحنا لازم نتكلم.” رد: “ما بقاش فيه كلام بينا.” قالت وهي بتخفض صوتها: “فيه حاجة إنت ما تعرفهاش.” وقف مكانه، وبصلها باستغراب. كملت وهي بتتنفس بصعوبة: “الموضوع مش عني… الموضوع عن زهره… وفي حد كان بيلعب بينكم من قبل ما أنا أدخل حياتك.” نايف عقد حاجبيه، وأول مرة من بداية الكارثة، حس إن فيه سر أكبر لسه مستخبي، وسيلينا كانت على وشك تكشفه…
يتبع
نايف فضل باصص في وش سيلينا كام ثانية من غير ما ينطق. كانت أول مرة يشوف الخوف الحقيقي في عينيها. طول الفترة اللي فاتت كانت واثقة، متكبرة، شايفة إن الدنيا كلها لعبة في إيديها، لكن النهارده كانت مرتبكة، وإيديها بتترعش وهي ماسكة شنطتها. قال ببرود: “خمس دقايق… وبعدها كل واحد يروح لحاله.” هزت رأسها بسرعة، وركبوا عربيته من غير ما يتبادلوا كلمة. فضل سايق لحد ما وقف في كافيه هادي بعيد عن المحكمة. أول ما قعدوا، قالت سيلينا: “أنا عارفة إنك كرهتني… ويمكن من حقك. لكن اللي هقوله دلوقتي لو ما تعرفوش، هتفضل عايش فاكر إن كل اللي حصل سببه أنا.” نايف رد من غير ما يبصلها: “إنتي سبب كفاية.” سكتت شوية، وبعدها طلعت ظرف صغير من شنطتها وحطته قدامه. “افتح.” فتحه ببطء، ولقي جواه صور مطبوعة. أول صورة كانت لعربيته مركونة قدام الشركة من حوالي سنة. والصورة اللي بعدها كانت لنفس العربية، لكن من زاوية تانية، وفيها واحد واقف مستخبي وبيصور. قلب الصورة التالتة، فاتجمد. كانت زهره خارجة من عيادة دكتورة النساء وهي حامل في شهورها الأولى، وفي راجل بعيد واقف بيراقبها. رفع عينه ناحية سيلينا وقال: “إيه ده؟” ردت بصوت واطي: “أنا اكتشفت بعدين إن فيه حد كان بيتابعكم.” عقد حاجبيه وقال: “مين؟” هزت رأسها. “ماعرفش.” طلع صورة رابعة. المرة دي كان هو نفسه خارج من الفندق مع سيلينا، والصورة متصورة باحتراف شديد. قال: “الصور دي عند زهره.” ردت: “لأ… اللي عند زهره نسخ. الأصل كان عند حد تاني.” فضل ساكت وهو بيقلب الصور. قالت: “في الأول افتكرت إنه محقق خاص زهره مأجراه. لكن بعدين فهمت إن لأ.” سألها: “عرفتي منين؟” طلعت موبايلها وفتحت تسجيل صوتي. اشتغل صوت راجل بيقول: “استمروا زي ما إنتوا… كل خطوة بتقربنا من اللي إحنا عايزينه.” وبعدها صوت تاني رد: “ومتقلقش… الأستاذ نايف مش واخد باله من أي حاجة.” التسجيل وقف. نايف حس إن نفسه ضاق. قال: “مين الأستاذ ده؟” هزت رأسها. “الصوت مش واضح، لكن اللي بعتلي التسجيل رفض يقول اسمه.” بص لها باستغراب. “بعتلك ليه؟” نزلت عينيها في الأرض وقالت: “لأنه طلب مني فلوس علشان يفضل ساكت.” سكت لحظة، وبعدين كملت: “أنا دفعت مرة… وبعدها طلب أكتر.” نايف ابتسم بسخرية. “يعني حتى إنتي اتبتزّيتي.” قالت بمرارة: “أيوه.” وفي اللحظة دي افتكر حاجة كان ناسيها. قبل شهور، مدير أمن الشركة طلب يقابلُه وقاله إن فيه شخص بيسأل عن تحركاته اليومية، لكنه وقتها اتعصب وطرده واتهمه إنه بيبالغ. قام من مكانه فجأة. قال: “استنى.” طلع موبايله واتصل بمدير الأمن السابق. الرقم كان مقفول. حاول مرة واتنين. مفيش رد. افتح دفتر الأرقام القديم اللي كان في العربية، ولقي عنوان الراجل. بص لسيلينا وقال: “هتيجي معايا.” استغربت. “ليه؟” رد وهو بيدور العربية: “لأن لو فيه حد لعب بينا كلنا… النهارده لازم أعرف هو مين.” بعد نص ساعة كانوا واقفين قدام عمارة قديمة في مصر الجديدة. طلعوا للدور الرابع، وخبط نايف على الباب. مفيش رد. خبط تاني بعنف. الباب كان موارب. فتحه بحذر، ودخل. الشقة كانت مقلوبة. الأدراج مفتوحة، الورق مرمي على الأرض، والكمبيوتر مكسور. واضح إن حد فتش المكان بالكامل. سيلينا همست: “إحنا اتأخرنا.” نايف لف الشقة بسرعة، لحد ما دخل أوضة المكتب. هناك، تحت الترابيزة، لمح فلاش ميموري صغيرة واقعة. انحنى وأخدها. قبل ما يحطها في جيبه، سمع صوت خطوات سريعة على السلم. جري ناحية الباب، لكنه ما لحقش يشوف غير راجل لابس كاب أسود بينزل السلالم بسرعة. حاول يجري وراه، لكن أول ما وصل الشارع، كانت عربية رمادي انطلقت بأقصى سرعة واختفت وسط الزحمة. رجع وهو بينهج. سيلينا قالت: “شفته؟” هز رأسه بالنفي. بص للفلاشة اللي في إيده وقال: “يمكن دي فيها الإجابة.” رجعوا العربية، ونايف حط الفلاشة في اللابتوب اللي معاه. الشاشة نورت، وظهر مجلد واحد اسمه: “ملف نايف حمدان”. فتحه، فلقى عشرات الفيديوهات والصور والتقارير بتاريخ يمتد لأكتر من سنة. كل تحركاته، وكل مقابلاته، وحتى اجتماعاته الخاصة، كانت متسجلة بالتاريخ والساعة. لكن أكتر ملف شد انتباهه كان آخر ملف في القائمة، لأنه كان بعنوان واحد فقط: “الشخص اللي بدأ كل حاجة.” ضغط عليه، وبدأ الفيديو يشتغل ببطء، وملامح الشخص اللي واقف قدام الكاميرا بدأت تظهر تدريجيًا، ومع أول ثانية واضحة، اتسعت عينا نايف في صدمة، لأنه كان يعرف هذا الوجه جيدًا، ولم يكن يتخيل أبدًا أنه قد يكون جزءًا من كل ما حدث.
ظهر الفيديو بجودة ضعيفة في الأول، والصورة كانت بتقطع كل ثانيتين، لكن بعد لحظات استقرت. اتسعت عينا نايف وهو شايف الشخص اللي واقف قدام الكاميرا. كان فؤاد السعدني… المدير المالي السابق لشركته. الراجل اللي اشتغل معاه أكتر من اتناشر سنة، واللي استقال فجأة قبل سبعة شهور بحجة المرض. فضل نايف باصص للشاشة وهو مش مستوعب. فؤاد كان بيتكلم مع واحد قاعد قدامه، ووشه مستخبي عن الكاميرا. قال فؤاد: “كل حاجة ماشية زي الخطة. الأستاذ نايف بقى مشغول تمامًا، ولا بقى مركز في الشركة.” رد الصوت التاني: “والتحويلات؟” ابتسم فؤاد وقال: “بيمضي من غير ما يراجع. أي فاتورة تتحط قدامه بيوقع عليها.” الصوت رجع قال: “كويس… خليه مستمر. كل ما يغرق أكتر، هيبقى أسهل ناخد الشركة كلها.” الفيديو وقف فجأة.
نايف حس إن الدم جمد في عروقه.
رجع فتح الملف اللي بعده.
كان عبارة عن كشوف حسابات.
أرقام ضخمة.
شركات وهمية.
تحويلات خرجت من حسابات شركته على مدار شهور.
وأغلبها متسجل تحت بنود كان هو بنفسه موقع عليها.
ضرب بإيده على الدريكسيون وهو بيقول: “أنا كنت أعمى.”
سيلينا كانت ساكتة.
أول مرة تشوفه بالشكل ده.
قالت بهدوء: “الخيانة اللي عملتها في زهره كانت بإيدك… لكن اللي حصل في الشركة واضح إن حد استغلك.”
قفل اللابتوب.
وقال: “وده مش هيغير اللي عملته.”
سكتت.
لأنها عرفت إنه لأول مرة بطل يهرب من الحقيقة.
وصل البيت قبل المغرب.
دخل الفيلا.
كانت لسه فاضية.
لكن المرة دي ما حسش إنها فاضية بس.
حس إنها شاهدة عليه.
طلع أوضة مكتبه.
وقفل الباب.
وقعد يراجع كل ملف في الفلاشة.
كل ما يفتح ملف يكتشف إن فؤاد كان بيجهز لانهياره من بدري.
كان عارف إنه بيقضي أغلب وقته مع سيلينا.
وعارف إنه بطل يراجع العقود.
وعارف إنه فقد تركيزه.
استغل ضعفه.
واستغل غروره.
لكن في وسط الملفات…
لقى حاجة غريبة.
ملف صوتي مدته دقيقة ونص.
شغله.
طلع صوت فؤاد.
“لو بتسمع التسجيل ده، يبقى غالبًا أنا مبقتش موجود.”
اتعدل نايف في قعدته.
كمل فؤاد.
“أنا غلطت… بس ماكنتش أكبر واحد في اللعبة.”
سكت لحظة.
“أنا مجرد منفذ.”
اتنفس بصعوبة.
“اللي طلب مني كل ده… شخص قريب جدًا من نايف… قريب لدرجة إنه عمره ما هيشك فيه.”
التسجيل انتهى.
مافيش اسم.
ولا أي دليل تاني.
قفل اللابتوب.
وقعد يفكر.
مين القريب بالشكل ده؟
خالد؟
مستحيل.
أمه؟
أبعد احتمال.
حد من مجلس الإدارة؟
ولا…
قطع تفكيره صوت جرس الباب.
نزل يفتح.
لقى عامل توصيل واقف.
قال: “حضرتك الأستاذ نايف؟”
هز رأسه.
سلمه ظرف أبيض.
“ده اتدفع تمن توصيله مقدمًا.”
أخده وقفله الباب.
الظرف ماكانش عليه اسم المرسل.
فتحه بحذر.
طلع منه مفتاح صغير.
ومعاه ورقة.
مكتوب فيها بخط مطبوع:
“لو عايز تعرف مين دمر حياتك فعلًا… روح بكرة الساعة سبعة مساءً إلى المخزن رقم 18 في المنطقة الصناعية القديمة.”
وتحتها سطر واحد فقط:
“ومتبلغش الشرطة… لأن الشخص اللي هتشوفه هناك… إنت بتحبه أكتر ما تتخيل.”
فضل نايف ماسك الورقة لدقائق.
كل الاحتمالات كانت بتمر في دماغه.
لكن ولا احتمال كان يقدر يفسر الجملة الأخيرة.
مين الشخص اللي بيحبه…
وفي نفس الوقت…
ممكن يكون السبب في انهيار حياته كلها؟
يتبع
