حكايات انجى الخطيب 1

وعينيه غايرة من الصدمة، ملامحه ميتة، لا عتاب ولا غضب، مجرد انكسار. بصلي بصة خلت روحي تتسحب مني، وقال بصوت واطي ومكسور:
“عايزة إيه يا بنتي؟ عايزة إيه تاني بعد اللي حصل؟ الناس نهشت في سيرتنا، وبنتك اتطلقت في الكوشة، وسمعتنا في الأرض.. فيه إيه تاني ممكن يحصل؟”
قربت الورقة من عيني، الحروف كانت بتتحرك قدامي، قريت الجملة اللي مكتوبة بخط إيد ابن عمي “سالم”: “الحقيقة مش في اللي جوزك فاكره.. الحقيقة في اللي أبوكي خايف يقوله عن ليلة الحادثة اللي مات فيها أخوكي”.
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة، وبصيت لأبويا اللي بدأ جسمه يترعش، إيديه سابت الدركسيون، ووشه بقى شاحب. بصلي في مرايا العربية، وبصته دي كانت كفيلة تأكد لي إن الكلام ده مش مجرد تهديد، ده إقرار بذنب.
“بابا.. إيه علاقة موت أخويا بالسر
اللي ابن عمي بيهدد بيه؟ وأي عار ده؟”
لمحة نيوز
أبويا مردش، كان بيبص للطريق والدموع بدأت تنزل على خده. لأول مرة أشوف الراجل اللي كنت شايفاه سوبرمان بيعيط. صرخت فيه تاني: “انطق يا بابا! ليه سالم بيقول كده؟ وليه جوزي سابني وهو مقتنع بإن فيه فضيحة من غير ما حتى يواجهني؟”
أبويا مسح وشه بإيده، وطلع زفير طويل، وبصلي بصة كلها خوف وقلق: “سالم مش بيلعب يا بنتي، سالم معاه مفاتيح حياتنا في إيده، وموت أخوكي مكنش قضاء وقدر زي ما فهمنا الناس.. ده كان تمن سكوتنا، وتمن غلطة بدأت من سنين، واليوم ده، سالم قرر يفتح الحساب اللي مكنش حد فينا عايز يفتحه”.
سكتت، والكلمات وقفت في زوري، كنت حاسة إني في كابوس، ولقيت موبايلي بينور في إيدي برقم سالم، بيبعت رسالة قصيرة: “تعالي لي على المكان اللي أنتي عارفاه، لو عايزة تعيشي بكرامتك”.
سحبت نفسي من العربية وخرجت، أبويا نادى عليا بصوت ضعيف “رايحة فين يا بنتي؟”، بس أنا مكنتش سامعة غير دقات قلبي اللي بتنادي على الحقيقة المدفونة من سنين.
مشيت للمخزن القديم بتاع جدنا، فتحت الباب بصعوبة،
لمحت خيال سالم واقف في آخر المخزن، كان بيدخن سيجارته ببرود، ولما شافني طفاها وبدأ يقرب مني بهدوء، مشية واثق إن الفريسة بقت في إيده.
“نورتي يا بنت عمي.. كنت عارف إنك هتيجي، الفضول دايماً بيبقى أقوى من الخوف، مش كده؟”
رديت عليه وصوتي متقطع: “أنت عملت فيا إيه يا سالم؟ إيه اللي كتبته في الورقة ده؟ وإيه حكاية أخويا اللي ميت من سنين؟ انطق!”
ضحك سالم وقال: “أخوكي ممتش في حادثة طريق زي ما أبوكي فهمكم، أخوكي كان بيكتشف إن أبوكي وأبويا كانوا شركاء في تجارة مشبوهة، ولما حب يبلغ عنهم، كان لازم يخلصوا عليه.. واللي ساق العربية وخبط أخوكي كان أبوكي بنفسه عشان يداري على نفسه، وأنا كنت الشاهد الوحيد اللي مسكت عليهم الدليل”.
