ساره حكايات اسما 2

باب الأوضة اتفتح بعنف.

وداليا دخلت رغم اعتراض الممرضة.

وشها كان أحمر من الغضب.

وأول جملة قالتها كانت:

“هو صحيح هتديها كل حاجة بعد ما ضحكت عليك؟!”
قبل ما أبويا يرد…
بص لها نظرة عمري ما شفتها في عينيه.
نظرة كلها خيبة ووجع.
قال بصوت متعب:
“اطلعي بره.”
داليا افتكرت إنه بيهزر.
ضحكت وقالت:
“بابا… هي لعبت في دماغك؟”
كرر الجملة.
المرة دي بصوت أعلى شوية:
“قولت… اطلعي بره.”
أمي دخلت بسرعة تحاول تهدي الموقف.
وقالت:
“بلاش زعيق… الدكتور مانع الانفعال.”
لكن أبويا رفع إيده.
وقال:
“اسكتي يا أم داليا.”
كانت أول مرة في حياته يناديها بالاسم ده.
مش “يا أم سارة”.
ولا “يا أم البنات”.
“يا أم داليا.”
الجملة لوحدها خلت أمي تنكس رأسها.
كأنه بيقول لها إن انحيازها كان واضح لدرجة إنها بقت أم بنت واحدة بس.
داليا قربت من السرير.
وقالت بعصبية:
“هي قالتلك إيه عني؟”
رد أبويا وهو بيبص في عينيها:
“ولا كلمة.”
“أمال ليه بتعاملني كده؟”
قال بهدوء:
“لأني أول مرة في حياتي… بشوف الحقيقة.”
سكت ثواني وهو بياخد نفسه.
ثم قال:
“أنا اللي دلعتك زيادة.”
“أنا اللي علمتك إن كل حاجة من حقك.”
“وأنا اللي سكت لما كنتِ تكسري قلب أختك.”
أمي بدأت تعيط.
وقالت:
“إحنا كلنا غلطنا.”
لكن أبويا هز رأسه.
“لا… أنا الغلط الأكبر.”
لف ناحيتي.
وقال:
“فاكرة يوم جوازك؟”
هزيت رأسي.
إزاي أنسى؟
كان يوم فرحي أبسط من فرح داليا بكتير.
حتى الشبكة كانت أقل.
وقتها قال لي:
“ظروفنا.”
رغم إنه بعدها بشهور اشترى لداليا عربية جديدة.
قال وهو بيبص في السقف:
“أنا كذبت عليكي.”
حسيت إن الأرض بتميد بيا.
كمل بصوت ضعيف:
“كان معايا فلوس… لكن كنت شايف إن داليا أولى.”
داليا صرخت:
“يعني هتحاسبني على حاجة عملتها من عشرين سنة؟”
قال:
“لأ… هحاسب نفسي.”
ثم أشار للمحامي اللي كان واقف عند الباب.
وقال:
“هات الورق.”
المحامي دخل.
وفتح الملف الأحمر.
طلع منه مجموعة عقود.
وحطها قدام أبويا.
قال:
“دي كل الأملاك اللي اتكتبت باسم داليا.”
وش داليا شحب.
قالت بسرعة:
“إيه يعني؟”
رد المحامي:
“الأستاذ محمود كان كاتب بند قانوني في كل العقود.”
استغربت.
المحامي قلب أول عقد.
وقال:
“الأملاك دي هبات… وليست بيعًا.”
ثم أشار لبند صغير.
“ولو ثبت استخدام الهبات للإضرار بباقي الورثة أو التمييز المتعمد بينهم… يحق للواهب الرجوع فيها قانونًا وفق الشروط المنصوص عليها بالعقد.”
داليا خطفت العقد من إيده.
وبدأت تقرأ.
إيديها كانت بترتعش.
وأبويا قال بهدوء:
“أنا كنت عامل البند ده من سنين… لأن جوايا كان حاسس إني بغلط.”
أمي بصت له بصدمة.
وقالت:
“إنت عمرك ما قلت.”
رد:
“لأني كنت جبان.”
ثم بص لي.
وقال:
“مش هعرف أصلح عمرك اللي ضاع.”
“ولا دموع ولادك.”
“لكن اللي باقي من عمري… مش هسيب فيه ظلم.”
في اللحظة دي…
داليا رمت العقود على الأرض.
وقالت وهي بتصرخ:
“يعني هتضيع مستقبل ولادي علشان خاطرها؟”
أبويا رد بهدوء شديد:
“لأ.”
وسكت لحظة.
ثم قال الجملة اللي جمدت الدم في عروقها:
“أنا بحاول أرجع الحق… قبل ما أقابل ربنا.”
وتحولت ملامح داليا فجأة من الغضب…
إلى خوف حقيقي.
لأنها أدركت لأول مرة…
أن كل الامتيازات اللي عاشت عليها سنين…
ممكن تضيع في لحظة واحدة.
قبل ما حد ينطق…
داليا خرجت من الأوضة وهي بتخبط الباب وراها بعنف.
سمعنا صوتها في الممر وهي بتصرخ:
“أنا مش هسيب حقي!”
أبويا ابتسم ابتسامة كلها تعب.
وقال:
“شايفة؟”
“لسه فاكرة إن اللي معاها حق.”
قعدت جنبه في هدوء.
قلت:
“سيب كل حاجة دلوقتي… أهم حاجة صحتك.”
هز رأسه بالنفي.
وقال:
“لا… لو أجلت الموضوع، عمري ما هعرف أعمله.”
ثم بص للمحامي.
وقال:
“اتصل بالمأذون… واتصل بالمحاسب… وخليهم ييجوا بكرة الصبح.”
المحامي كتب الملاحظات بسرعة.
وسأله:
“تحب تبلغ الأستاذة داليا؟”
رد أبويا من غير تردد:
“كل حاجة هتتعمل قدام الجميع.”
خرجت من أوضة العناية.
لقيت أمي قاعدة على الكرسي، عينيها حمرا من كتر البكا.
أول ما شافتني قامت.
وقالت بصوت مكسور:
“قالك إيه؟”
بصيت لها شوية.
وبعدين قلت:
“قال إنه ندمان.”
أمي غمضت عينيها.
وقالت:
“وأنا كمان.”
سكتت لحظة.
ثم انفجرت في العياط.
“أنا اللي بوظت البيت.”
ماكنتش فاهمة.
فضلت ساكتة.
قالت وهي بتتكلم بالعافية:
“كل ما أبوكي كان يحاول يقرب منك… كنت أقول له داليا أولى.”
“ولما كان يجيبلك هدية… أقوله بلاش تزعل أختها.”
“ولما كان يفكر يساعدك بعد الطلاق… أقوله داليا عليها التزامات أكتر.”
بصيت لها بعدم تصديق.
قالت:
“كنت فاكرة إني بحافظ على راحة البيت.”
ثم نزلت رأسها.
“لكن أنا كنت بهد بيت بنتي بإيدي.”
الكلمات دي وجعتني أكتر من أي إهانة.
لأنها أثبتت إن اللي حصل ليا ماكانش صدفة.
كان اختيار.
اختيار استمر سنين.
في آخر الممر…
كانت داليا واقفة بتتكلم في التليفون بصوت واطي.
لكن مع هدوء المكان…
قدرت أسمع جزء من كلامها.
“لازم تيجي المستشفى حالًا.”
“…أيوه… الورق كله هيضيع.”
“…قبل ما يغير أي حاجة.”
أول ما لمحتني…
قفلت المكالمة بسرعة.
وقالت بابتسامة مصطنعة:
“كنتي بتتصنتي؟”
قلت بهدوء:
“لا.”
“الكذب هو اللي صوته عالي.”
وشها اتقلب.
لكنها سكتت.
بعد أقل من عشر دقائق…
وصل راجل في أواخر الأربعينات.
بدلة شيك.
وشنطة جلد في إيده.
أول ما شاف داليا…
جريت عليه.
وقالت:
“أخيرًا جيت.”
عرفته من بعيد.
كان سامح.
المحاسب اللي ماسك كل أملاك أبويا من سنين.
دخل مباشرة ناحية أوضة العناية.
لكن المحامي وقف قدامه.
وقال:
“ممنوع.”
سامح اتضايق.
وقال:
“أنا عندي شغل مهم مع الأستاذ محمود.”
رد المحامي:
“وأنا عندي تعليمات منه.”
“أي ورقة… أو توقيع… أو ملف… هيكون بحضور كل أفراد الأسرة.”
ملامح سامح اتغيرت.
وداليا بدأت تتوتر.
وأنا لأول مرة…
بدأت أحس إن الموضوع أكبر من مجرد تفرقة بين أختين.
فيه أسرار مالية.
وفيه أوراق.
وفيه ناس خايفة من حاجة مستخبية.
وفي اللحظة دي…
المحاسب لف علشان يمشي.
لكن ملف أسود صغير وقع من شنطته على الأرض.
الملف اتفتح من أثر الوقعة…
وتناثرت منه عشرات الإيصالات وصور العقود.
وقبل ما يقدر يلمهم…
وقعت عيني على ورقة واحدة.
كانت صورة عقد بيع…
يحمل اسم بيت أبويا…
ومكتوب في أسفله بخط واضح:
“تمهيدًا لنقل الملكية.”
لكن التاريخ…
كان من أسبوع كامل.
يعني حد كان بيحاول يبيع البيت…
وأبويا لسه عايش.
يتبع

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!