حكايات زهره الربيع 2

الراجل ده مكنش من الأفندية بتوع البندر، ولا كان من غفر العزبة. الراجل ده كان لابس جلابية سودة واسعة، وشبه جدي رضوان بالظبط.. نسخة طبق الأصل منه بس على أصغر بعشرين سنة، وفي رجله يمين.. كان فيه أثر حز أزرق قديم لجنزير حديد!
أبويا عبد العزيز أول ما شافه، صوته هرب منه ووقع على ركبه وهو بيشاور بصباعه وبيردد بكلام مش مفهوم: “يوسف.. يوسف عاد.. الميت صحي من قبرها يا بوي!”.
جدي رضوان ساب العصاية من إيده، ووشه بقى زي الجبس الأبيض، وهمس بصوت حشرجة الموت: “أنت دفنت السر يا يونس.. بس نسيت إن الأرض دي مبتشبعش دم.. وأخوك الكبير اللي قولتوا عليه مات في السجن من عشر سنين.. واقف عتبة بيتي”.
الراجل اللي اسمه “يوسف” – عمي الكبير اللي عمري ما سمعت اسمه في البيت ولا أعرف شكله – خطى عتبة البيت بالراحة، رجليه كانت بتسيب أثر طين نظيف على بلاط المربوعة. بص لجدي رضوان ونظرة عينه كانت ألعن من السِم، ومسك المأمور من داعه وقال بصوت غليظ ومبحوح كأنه خارج من بئر قديم: “هو ده يا باشا.. ده الراجل اللي زور شهادة وفاتي وأنا حي يرزق في سجن المحاميد، عشان يورث أرض الوقف مع عبد العزيز، ولما يونس أخويا الصغير كشفهم.. رموه في الزريبة وربطوه زي البهايم وقالوا عليه مجنون!”.
المأمور شاور للغفر، وفي ثانية كانت الأوضة مليانة عساكر وبنادق. جدي رضوان مقدرش يقف على رجليه، قعد على الأرض وهو بيلهث كأن روحه بتطلع، وأبويا عبد العزيز انكمش في ركن الأوضة وزي العيل الصغير قعد يخبي وشه في الحيطة ويدعي إن ده يكون حلم.
عمي يونس فاق من صدمته، قرب من أخوه يوسف بخطوات مهزوزة، ومد إيده يلمس كتافه كأنه بيتأكد إنه لحم ودم مش خيال: “يوسف؟ إنت عايش؟ أنا.. أنا كنت بكتب اسمك كل ليلة في الطين برة.. كنت بحسبك مت وسبتني لوحدي وسطيهم”.
يوسف حضن عمي يونس بقوة، والدموع نزلت من عينيه الناشفة: “أنا ممتش يا يونس.. أنا كنت مستني اليوم اللي الورق ده يظهر فيه. الشنطة اللي إنت حفرت وطلعتها من تحت الجميزة، أنا اللي دافنها بيدي قبل ما الغفر يكبسوا عليا من عشر سنين.. كنت عارف إنك الوحيد اللي عقلك صاحي وهتفهم الإشارة”.
التفت يوسف ليا وأنا واقف ورا أمي اللي كانت بتبكي من الفرحة والخوف في نفس الوقت، وقال بصوت حنين: “وإنت يا أحمد.. لقمة العيش اللي كنت بتأكلها لعمك، هي اللي حمت عيلة الشناوي من إنها تتمحي من الدفاتر.. إنت بذرة النظافة الوحيدة في الطين ده”.
المأمور قرب ولم الورق والدفتر من الشنطة وحطهم في حرز، وبص لجدي وأبويا وقال بحزم: “هاتوا الحاج رضوان وعبد العزيز على البوكس.. القض..ية دي فيها تزوير، وقتل بالبطيء، وحجز حرية بدون وجه حق.. ليلتكم هتبقى طويلة في المركز”.
