يوم فرحى بنتي حكايات رومانى مكرم 2

## الجزء الثالث
طلعت من باب القاعة وأنا شايلة “صابرين” على كتفي، وفستان الفرح الأبيض بيجر ورايا على أسفلت الشارع، متبهدل بتراب السكة وممزوع من الجناب. الناس في الشارع كانت بتبصلي بذهول؛ عروسة خارجة بتجري بالليل، عياطها مغرق وشها، ولابسة فردة جزمة واحدة والتانية ضايعة، وماسكة في إيدها كيس القماش الأسود اللي عمي جابهولي من جيب “سيد”.
صوت الصريخ والخناق جوة القاعة كان لسه واصل لودني، وصوت تكسير الكراسي والزيطة مالي المكان، بس أنا مكنتش شايفة ولا سامعة غير دقات قلب بنتي اللي كانت بتترعش في حضني زي العصفور المبلول.
ركبت أول تاكسي قابلني على أول الشارع، والسواق بيبصلي في المراية ومستغرب ومش فاهم حاجة. قلتله بصوت مخنوق من كتر العياط: **”على بيت أبويا القديم في الحتة الفوقانية.. بسرعة يا أسطى الله يكرمك.”**
طول الطريق، “صابرين” كانت دافنة وشها الصغير في رقبتي، وصوابعها متبتة في قماش الفستان كأنها خايفة لو سابتني الأرض تبلعها. كنت بحسس على ضهرها وأنا بهمس ليها: **”خلاص يا قلب أمك.. محدش هيقدر يلمسك، طول ما فيا النفس مفيش كلب هيقرب منك.”**
وصلت البيت القديم، الشقة اللي عشت فيها أحلى أيام حياتي مع المرحوم جوزي الغالي قبل ما يموت ويسيبنا للدنيا تلطش فينا. طلعت السلم والخطوات كانت تقيلة، الفستان كان خانق نفسي وكأنه كفن مش فستان فرح. فتحت الباب ودخلت، الشقة كانت ضلمة وترابها مالي المكان لأن بقالنا أسبوعين بننقل حاجتنا لشقة “عصام” اللي كان واهمنا إنه مجهزها لينا.
قعدت على الكنبة القديمة في الصالة، وأول حاجة عملتها إني قطعت حبل الطرحة من على راسي ورميتها على الأرض، وقلعت طوق الورد البلدي اللي كان دبلان ومايل. بصيت لـ “صابرين” وابتسمت وسط دموعي: **”جعانة يا روحي؟”**
هزت راسها بالنفي وقالت بصوت يقطع القلب: **”أنا خايفة يا ماما.. خايفه خالي سيد يجي ياخدني، أو عمو عصام يرميني في الشارع زي ما قال.”**
نزلت لمستواها على الأرض، ومسكت إيديها الصغيرة: **”اسمعي يا صابرين.. اللي شفتيه جوة في القاعة ده كان آخر يوم نخاف فيه. خالي سيد وعصام خلاص زمنهم ولى، والفلوس والدهب اللي كانوا عايزين يسرقوهم أهو في إيدنا. الشقة دي شقة أبوكِ، ومحدش له حق يخرجنا منها.”**
سيبتها تغير هدوم الفرح ولابستها بيجامتها القُطن، ودخلتها السرير وفضلت جنبها لحد ما راحت في النوم وهي بتتنهد.
قمت وقفت قدام مراية الدولاب الكبيرة.. بصيت لوشي، الميك أب كان سايح من الدموع والكحل معلم على وشي زي السواد. بدأت أفك زراير الفستان الأبيض اللي كنت فاكرة إنه هيبقى طوق النجاة، ورميته في أبعد ركن في الأوضة بغل.. وقررت إني مش هلبس أبيض تاني، ولا هأمن لراجل يدخل بيتي ويهدد أمان بنتي.
