بعد ولادتي حكايات رومانى مكرم 3

وتحركت نحو الباب وخرجت مسرعة وهي تغلق الباب خلفها بقوة هزت أرجاء الشقة.
ساد الصمت. كنت واقفة مذهولة من موقف أحمد الذي تمنيته منذ زمن، لكنني في نفس الوقت شعرت برعب حقيقي.. فحماتي لن تترك هذا الموقف يمر مرور الكرام، وأحمد بدا وكأنه أحرق المراكب كلها مع عائلته من أجلي.
التفت أحمد إليّ، وكان يتنفس بسرعة وعلامات الضيق والحزن على والدته واضحة في عينيه، لكنه اقترب مني وأمسك بكتفي وقال:
— “أنا عملت الصح يا ياسمين.. متخافيش.”
وقبل أن أجيبه، رن هاتف أحمد.. وكان المتصل هذه المرة والده، وصوته كان عالياً وغاضباً لدرجة أنني سمعته دون أن يفتح أحمد مكبر الصوت وهو يصرخ:
— “أنت اتجننت يا أحمد؟! بتطرد أمك من بيتك؟!”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
دخل أحمد، وخلفه دخل والده (حماي) الذي كانت ترتسم على وجهه علامات الجدية الصارمة. انقبض قلبي للوهلة الأولى وظننت أن المواجهة ستشتعل في بيتي، لكن حماي تقدم نحو الصالة ونظر إليّ بهدوء، ثم التفت إلى ابنه وقال بنبرة حاسمة:
— “اجلس يا أحمد.. وأنتِ كمان يا بنتي ارتاحي ومتوقفيش.”
جلسنا جميعاً، وساد صمت قصير قطعه صوت حماي وهو يوجه كلامه لأحمد:
— “أنا جيت بنفسي هنا عشان أشوف بيتك الجديد، وعشان أحط النقط على الحروف. لما أمك جاتلي بتعيط، أنا غضبت كأي راجل سمع إن ابنه كسر بخاطر أمه.. لكن لما أحمد جالي النهاردة وقعد معايا راجل لراجل، وفهمني إيه اللي حصل بالظبط من أول يوم ولادتك لحد اللحظة دي، وعرفت إن جرحك اتفتح بسبب الإجهاد.. عرفت إن ابني بدأ يبقى راجل بجد ويتحمل مسؤولية بيته.”
التفت حماي إليّ وقال بنبرة اعتذار أبوي صادق:
— “حقك عليا يا بنتي.. أم أحمد طيبة وبتحبك، بس غشامتها وحماسها للأسبوع عماها عن تعبك، وأنا مكنتش أعرف تفاصيل مرضك. أحمد مغلطش لما حافظ على خصوصية بيته، وأنا اتكلمت مع أمك وفهمتها إن البيوت ليها حرمة، وإنها لازم تسيبكم تعيشوا حياتكم وتكبروا مع ابنكم لوحدكم.”
ثم نظر إلى أحمد وقال:
— “أنا فخور بيك يا ابني لأنك عرفت تقف في الوش وتحمي بيتك بأدب ومن غير قلة أصل.. أمك هتاخد وقتها وتصفى، وأنا كفيل بكسر الخاطر ده وهطيب قلبها.. المهم دلوقتي تحافظ على مرتك وابنك.”
قبل أحمد يد والده وعيناه تفيضان بدموع الارتياح، وشعرت في تلك اللحظة أن جبلاً ثقيلاً قد انزاح عن صدري. غادر حماي بعد أن بارك لنا الشقة، وأغلق أحمد الباب والتفت إليّ، فامتزجت نظراتنا بابتسامة دافئة عرفنا معها أن العاصفة قد انتهت أخيراً، وأننا عبرنا إلى بر الأمان.

