حكايات امانى السيد 1

ساد الصمت لثواني، صمت مرعب، لحد ما هو بلع ريقه بالعافية وقام وقف، وبصوت مخنوق ومردد قال: “سلوى؟! إنتِ.. إنتِ هنا من إمتى؟!”

امانى_سيد

 

التفتت سلوى ببطء، ولم تجب على سؤاله. لم تكن هناك حاجة للإجابة، فدموعها التي انهمرت فجأة كشلالٍ صامت كانت تقول كل شيء. تراجعت خطوتين للخلف، وعيناها مثبتتان على وجهه وكأنها تراه لأول مرة، أو كأنها تحاول استيعاب أن هذا الرجل هو نفسه الذي سهرت بجانبه في ليالي مرضه، وهو نفسه الذي اقتسمت معه رغيف الخبز في أيام ضيقه.

تحرك هو خطوة نحوها، مادا يده بارتباك شديد وهو يحاول تدارك الموقف:

“سلوى.. اسمعيني بس، الكلام مكنش قصدي بيه كده، أنتِ فاهمة غلط..”

لكنها لم تتركه يكمل. رفعت يدها المرتعشة في وجهه لتأمره بالصمت، وبصوت مبحوح، خرج من أعماق قلب مكسور، قالت:

“متقولش حاجة.. مفيش حاجة غلط اتفهمت. أنت قولت كل حاجة.. قولت إنك مستعد تبيع الدنيا ومستعد تخسر أي حد.. وأنا وبنتك طلعنا من ضمن الـ (أي حد) اللي ساهل تخسرهم.”

حاولت الأم التدخل لتهدئة الموقف، واقتربت من سلوى محاولة احتضانها:

“يا بنتي استهدي بالله، قولي لا إله إلا الله، الشياطين دخلت بينكم، اقعدي وافهمي منه..”

استدارت سلوى نحو الأم، ونظرت إليها بنظرة ممزوجة بالانكسار والامتنان، وقالت والغصة تخنق حلقها:

“يا طنط، أنا جيت هنا النهاردة عشان أساعدك زي كل مرة، وجايبة معايا حاجات بنتك بتحبها.. مكنتش أعرف إني جاية أسمع جنازة عمري وشبابي. أنا مش زعلانة منك، أنتِ فوق راسي، بس ابنك.. ابنك دبحني من غير ما يتهز له رمش.”

في هذه اللحظة، ومع تصاعد التوتر، تبدلت ملامح الزوج فجأة. تملكه الخوف من خسارة كل شيء، لكن كبرياءه الأعمى وشعوره بالذنب اللذين تحولا إلى هجوم جعلاه يصرخ بنبرة حادة، محاولاً الدفاع عن موقفه المشوه:

“أيوة يا سلوى! واجهي الحقيقة بقا! أنتِ بقيتي باردة، مهتمة بالبيت والنكد والطلبات وبس! مابقاش فيه كلام بيننا، مابقاش فيه روح! أنا بني آدم ومن حقي أتحب وأعيش!”

وقعت الكلمات عليها كالصاعقة، لكنها هذه المرة لم تبكِ. مسحت دموعها بعنف، وتصلب جسدها، ونظرت إليه بنظرة حادة لم يعهدها فيها من قبل، وقالت بنبرة قطعت حبال صوته:

“أنا بقيت مكنة للطلبات؟ والنكد؟ ومين اللي حولني لمكنة يا أستاذ يا محترم؟ مين اللي شيلته فوق كتافي لما كنت قاعد من غير شغل وكنت ببيع دهبي عشان نلاقي ناكل؟ مين اللي كنت برجع من شغلي أطبخ وأنظف وأراعي بنته وأوفر له لقمة نضيفة وهدوم متقندة عشان ينزل يقابل (ساندي) بكامل أناقته وروحه الخفيفة؟! أنت مكنتش عايش في قالب صامت.. أنت كنت عايش في فندق خمس نجوم ببلاش، وأنا الشغالة اللي بتدير الفندق ده عشان سيادتك تتفرغ للحُب الطاهر!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!